عاجل

بين التفاؤل والمخاطر.. قراءة في سعر الصرف بالموازنة الجديدة |خاص

عملات نقدية مصرية
عملات نقدية مصرية وأمريكية

أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن اعتماد سعر 47 جنيهًا للدولار كسعر استرشادي في الموازنة العامة للعام المالي 2026-2027 يعكس توجهًا يعتمد على توقعات بتدفقات نقدية دولارية مستدامة، سواء من صفقات استثمارية أو تحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، لكنه في الوقت ذاته يحمل قدرًا من المخاطرة في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

حساسية الاقتصاد المصري

وأوضح حسانين، في تصريحات خاصة، أن هناك اعتبارين رئيسيين يفرضان ضرورة وجود هامش تحوط أكبر داخل الموازنة، يتمثل أولهما في حساسية الاقتصاد المصري لأسعار السلع العالمية، حيث إن أي ارتفاع في أسعار القمح أو الطاقة بالتزامن مع سعر صرف "متفائل" قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التمويلية بشكل ملحوظ، أما العامل الثاني يرتبط باستمرار تشديد السياسة النقدية عالميًا، وارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يضغط على عملات الأسواق الناشئة، ويجعل الحفاظ على مستوى 47 جنيهًا للدولار تحديًا أمام البنك المركزي دون اللجوء إلى استنزاف الاحتياطيات الدولارية.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن خروج الاستثمارات غير المباشرة في ظل التوترات الجيوسياسية، خاصة بين إيران وإسرائيل، كشف أن سعر الصرف في مصر لم يعد مرتبطًا فقط بالمؤشرات المحلية، بل أصبح شديد الحساسية لما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الإقليمية" موضحًا أن أي تحرك في سعر الصرف من 47 إلى 55 جنيهًا، بما يمثل زيادة تقارب 17%، ستكون له انعكاسات مباشرة على الموازنة، حيث سترتفع تكلفة كل دولار تتحمله الدولة سواء في استيراد السلع الأساسية أو سداد أقساط الديون، بما قد يؤدي إلى تقويض مستهدفات العجز الكلي.

وأضاف أن هذه الفجوة ستنعكس بوضوح في عدة بنود رئيسية، أبرزها فاتورة دعم المحروقات، نظرًا لاعتماد الدولة على الأسعار العالمية للبترول، ما يعني أن أي زيادة في سعر الدولار سترفع تكلفة الدعم بشكل فوري، فضلًا عن تأثيرها على الميزان التجاري.

خدمة الدين 

ولفت حسانين إلى أن خدمة الدين تمثل تحديًا آخر، إذ إن جزءًا كبيرًا من الدين العام مقوم بالعملة الأجنبية، وبالتالي فإن ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات 55 جنيهًا سيرفع تلقائيًا نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما قد يؤثر سلبًا على التصنيف الائتماني للدولة.

وكشف حسانين أن هذا السيناريو قد يضيف أعباء تقترب من 100 مليار جنيه على جانب المصروفات، ما يضع الحكومة أمام ضغوط كبيرة إما لخفض الإنفاق في بنود أخرى أو البحث عن موارد دولارية استثنائية لسد الفجوة، مشيرًا إلى أن الاعتماد على سعر 47 جنيهًا في ظل تداول فعلي يتراوح بين 50 و55 جنيهًا يعكس ما وصفه بـ"نقص التحوط"، حيث تضع الحكومة نفسها تحت رهانات الظروف المواتية فقط، بينما تتطلب القواعد المالية الرشيدة اعتماد سعر صرف أكثر تحفظًا.

هامش الأمان الجيوسياسي

ودعا إلى ضرورة تبني آليات تحوط أكثر فاعلية، من بينها وضع سعر صرف استرشادي أعلى قليلًا من السوق، يتراوح بين 52 و53 جنيهًا لامتصاص الصدمات، إلى جانب إعداد سيناريوهات بديلة تتعامل مع مستويات 55 جنيهًا كواقع محتمل، مشددًا على أن سعر 47 جنيهًا يفتقر إلى “هامش الأمان الجيوسياسي”، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ما يستدعي إعادة تقييم هذا الرقم أو تعزيز بند الاحتياطيات العامة لمواجهة أي فروق محتملة في سعر الصرف.

وشدد حسانين على أهمية تفعيل أدوات مالية متقدمة، مثل عقود التحوط ضد تقلبات أسعار الصرف والسلع الأساسية، من خلال العقود الآجلة وعقود الخيارات ومبادلات العملة، بما يساعد على تثبيت تكلفة الإنفاق الحكومي وتقليل الاعتماد على التقديرات النظرية، داعيًا إلى إنشاء "صندوق استقرار الموازنة" يتم تخصيصه لتغطية فروق سعر الصرف دون التأثير على الاستثمارات العامة، مؤكدًا أن الرقم المعتمد حاليًا يبدو "طموحًا" أكثر منه "تحوطيًا".

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن تبني نطاق سعري مرن بدلًا من سعر ثابت، أو رفع هامش الأمان بنسبة تتراوح بين 5% و10%، سيكون أكثر واقعية في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتذبذب موارد النقد الأجنبي.

تم نسخ الرابط