عاجل

يعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في الملف الإيراني، وترحيب القيادة المصرية به، محطة دبلوماسية تستحق القراءة المتأنية، لا بوصفها انتصارا مؤقتا، بل كمؤشر على تحولات أعمق في هندسة الأمن الإقليمي، فمصر، بتاريخها الدبلوماسي العريق وموقعها الجيوستراتيجي، تتبنى منذ سنوات نهجا قائما على احتواء التصعيد، وترسيخ قنوات الحوار، وربط الاستقرار الإقليمي بمصالح الشعوب لا بموازين القوة العسكرية وحسب ، وقبول الأطراف المعنية بوقف العمليات، حتى لو كان مرحليا، يعكس إدراكا متزايدا بأن تكلفة المواجهة المباشرة تفوق أي مكاسب تكتيكية محتملة، وهو ما يتقاطع مع الرؤية المصرية التي تضع السلام المستدام فوق المكاسب الآنية.

في هذا السياق، يأتي الموقف المصري الداعم لدول مجلس التعاون والعراق والأردن، كرؤية استراتيجية تؤمن بأن استقرار الخليج والعراق والشام هو امتداد طبيعي للأمن القومي المصري وأن أي فراغ أمني في هذه الدوائر ينعكس سلبا على البحر الأحمر وممرات التجارة والطاقة، ويؤثر مباشرة على معدلات النمو والاستثمار الداخلي لذا فإن الدعم المصري غير المشروط لهؤلاء الشركاء الإقليميين يندرج ضمن سياسة "الدوائر المتقاربة"، التي تهدف إلى بناء شبكة أمان جماعية تقلل من قابلية المنطقة للصدمات الخارجية.

إن ما يوصف في بعض الأوساط بـ"المعجزة السياسية" ليس سوى نتاج عمل دبلوماسي مؤسسي تراكمي، يعتمد على الحيادية الإيجابية، والالتزام بالقانون الدولي، والابتعاد عن لغة الاستقطاب الأيديولوجي وأن الوساطة الناجحة لا تفرض، بل تبنى عبر جسور من الثقة المتبادلة، وتقديم حوافز ملموسة للأطراف المتصارعة، وربط التهدئة بمسار تفاوضي واضح المعالم، وقد أثبتت الدبلوماسية المصرية في الملفات الشائكة قدرتها على تحويل "اللحظات الحرجة" إلى "نوافذ فرص"، من خلال التنسيق المتوازن مع القوى الدولية والإقليمية، وتوظيف الثقل التاريخي والمعرفي لمصر في صياغة مقاربات مقبولة للجميع.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تتجدد الحرب بعد أسبوعين من الهدنة؟ الإجابة تقتضي الفصل بين التمنيات والوقائع الاستراتيجية، إن وقف إطلاق النار ليس نهاية للصراع، بل مرحلة انتقالية تختبر جدية الأطراف، وكفاءة آليات المراقبة، وقدرة المجتمع الدولي على فرض ضغوط متوازنة تمنع الانزلاق نحو التصعيد مجددا وإذا لم ترفق الهدنة بآليات تحقق مشتركة، وضمانات أمنية ملموسة، ومسار تفاوضي جاد يعالج الجذور الهيكلية للأزمة، فإن خطر العودة إلى المربع الأول يظل قائما، خاصة في ظل وجود فاعلين غير دوليين ومصالح جيوسياسية متقاطعة قد تسعى لاستغلال أي فراغ، لكن إذا نجحت الأطراف في تحويل التهدئة إلى "اتفاق إطاري" يعالج قضايا مثل نزع التصعيد العسكري، وتبادل الملفات الإنسانية، وفتح قنوات اتصال مباشرة، ويخضع لإشراف أممي أو إقليمي محايد، فإن احتمالية التجديد العسكري تتراجع بشكل كبير، وتتحول الهدنة إلى أساس لبناء ثقة مؤسسية.

من منظور المصلحة الوطنية والإقليمية، فإن نجاح مصر في ترسيخ ثقافة "السلام العملي" بدلا من "النصر العسكري الوهمي" يمثل انتصارا للرؤية الاستباقية التي تتعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى حرائق إقليمية وهذا يتطلب استمرار التنسيق المصري مع الشركاء الإقليميين، وتعزيز الحوار الاستراتيجي مع القوى الكبرى، وبناء مؤسسات إقليمية لإدارة الأزمات تكون أقل تأثرا بالتقلبات السياسية العابرة كما يتطلب تعزيز البعد الاقتصادي في الدبلوماسية، فالتعاون في الطاقة والمياه واللوجستيات يعد ضمانة أقوى من أي بيان سياسي.


إن وقف إطلاق النار الحالي ليس محطة نهائية، بل اختبار حقيقي لنضج الدبلوماسية الإقليمية ومصر، بما تملكه من رصيد تاريخي ورؤية واضحة، مدعوة لمواصلة دورها كجسر توازن، لا كطرف في المعادلة، الحرب قد تكسب معارك مؤقتة، لكن السلام وحده هو الذي يبني دولا و الأسبوعان المقبلان سيكونان كفيلان بإظهار ما إذا كانت الإرادة السياسية ستغلب منطق التصعيد، أم أن المنطقة ستعود إلى دوامة الاستنزاف، وما يثبت به التاريخ صدق الرؤى، هو قدرة صناع القرار على تحويل الهدنة إلى سلام دائم، عبر حوار جاد، وضمانات متبادلة، وإرادة شعبية عاقلة ترفض أن تكون شعوب المنطقة رهينة لحسابات غير محسوبة.

تم نسخ الرابط