في لحظات التوتر الدولي الحاد، لا تُقاس قيمة الدول فقط بحجم قوتها الصلبة، بل بقدرتها على لعب أدوار مركبة في المساحات الرمادية بين الحرب والسلام. هكذا تبدو مصر اليوم وهي تتحرك—بهدوء محسوب—داخل واحدة من أعقد أزمات النظام الدولي الراهن: التهدئة بين إيران والولايات المتحدة. فالقاهرة لا تظهر كوسيط مباشر تقليدي على طاولة المفاوضات، لكنها تمارس دورًا أكثر تعقيدًا وعمقًا: دور “الموازن الجيوسياسي” الذي يعمل على تثبيت الأرضية التي يمكن أن تقوم عليها أي هدنة قابلة للحياة.
هذا الدور لا ينبع من ظرف طارئ، بل من تراكم تاريخي في السياسة الخارجية المصرية، التي اعتادت أن تتحرك عند تقاطعات الأزمات الكبرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأمن الممرات الحيوية، واستقرار الإقليم، ومنع انزلاق الصراعات إلى مواجهات شاملة. وفي الأزمة الحالية، حيث يتقاطع الملف النووي مع أمن الطاقة والملاحة الدولية، تجد مصر نفسها في موقع طبيعي—بل ضروري—للمساهمة في صياغة لحظة تهدئة، حتى وإن لم تُعلن ذلك بشكل صريح.
سياسيًا: دبلوماسية الظل وصناعة المساحات الممكنة
على المستوى السياسي، يمكن قراءة الدور المصري بوصفه امتدادًا لما يمكن تسميته “دبلوماسية الظل”، حيث لا تسعى القاهرة إلى الظهور كوسيط رئيسي، لكنها تعمل على خلق بيئة تفاوضية أكثر قابلية للاحتواء. فمصر تدرك أن أي وساطة مباشرة بين واشنطن وطهران تحتاج إلى شروط ثقة معقدة، لا تتوفر بسهولة لأي طرف إقليمي، ولذلك تختار العمل من خلال قنوات متعددة: دعم مسارات الوساطة غير المباشرة، تشجيع خفض التصعيد الخطابي، وتثبيت فكرة أن التفاوض—even لو كان مؤقتًا—هو الخيار الأقل كلفة للجميع.
هذه المقاربة تضع مصر في موقع “الضامن غير المعلن”، الذي لا يفرض شروطًا، لكنه يساهم في منع انهيار المسار. وهي مقاربة تتسق مع فلسفة السياسة الخارجية المصرية في العقد الأخير، والتي تميل إلى تقليل الانخراط العلني في الصراعات، مقابل تعظيم القدرة على التأثير في نتائجها.
جيوسياسيًا: حماية التوازن الإقليمي ومنع إعادة رسم الخرائط بالقوة
من منظور جيوسياسي، تنظر مصر إلى التصعيد بين إيران والولايات المتحدة ليس فقط كصراع ثنائي، بل كزلزال محتمل يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط. فنجاح أي طرف في فرض إرادته بالقوة لن يقتصر أثره على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سيمتد ليعيد توزيع النفوذ في الخليج، ويؤثر على أدوار القوى الإقليمية الأخرى، بما في ذلك الدول العربية المركزية.
في هذا السياق، يصبح دعم مصر للتهدئة جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع نشوء “نظام إقليمي بالقوة”، حيث تُفرض الترتيبات الأمنية عبر الصدامات العسكرية، لا عبر التوافقات السياسية. فالقاهرة تدرك أن أي تغيير جذري وسريع في موازين القوى قد يخلق فراغات أو اختلالات يصعب احتواؤها لاحقًا، خصوصًا في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة في البنى السياسية والأمنية.
استراتيجيًا: قناة السويس كعامل حاسم في حسابات الهدنة
إذا كان مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، فإن قناة السويس تمثل الامتداد الطبيعي لهذا الشريان في اتجاه أوروبا والأسواق العالمية. وأي اضطراب في هرمز ينعكس مباشرة على حركة الملاحة في السويس، ليس فقط من حيث حجم المرور، بل من حيث طبيعة المخاطر والتأمين والتكلفة.
من هنا، يصبح الدور المصري في دعم الهدنة مرتبطًا بشكل مباشر بمصالح استراتيجية ملموسة. فاستمرار التوتر أو إغلاق هرمز—even بشكل جزئي—يعني اضطرابًا في سلاسل الإمداد، وتراجعًا في حركة السفن، وارتفاعًا في تكاليف النقل، وكلها عوامل تؤثر على الاقتصاد المصري وعلى مكانة القناة كممر عالمي مستقر.
لكن الأمر لا يتوقف عند المصالح الاقتصادية المباشرة. فمصر تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره جزءًا من أمنها القومي، ولذلك فإن أي تهديد لحرية الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر يُقرأ في القاهرة باعتباره تهديدًا غير مباشر للاستقرار الوطني.
جيواستراتيجيًا: مصر كعقدة توازن بين الشرق والغرب
في القراءة الجيواستراتيجية الأوسع، يمكن فهم الدور المصري بوصفه محاولة للحفاظ على موقع “العقدة المتوازنة” بين محاور متنافسة. فمصر تحتفظ بعلاقات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات مفتوحة مع أطراف إقليمية ودولية متعددة، بما في ذلك دول لها علاقات وثيقة بإيران.
هذا الموقع يمنح القاهرة قدرة فريدة على فهم حسابات الأطراف المختلفة، لكنه يفرض عليها أيضًا قيودًا دقيقة. فهي لا تستطيع الانحياز الكامل لأي طرف دون أن تخسر جزءًا من قدرتها على التأثير، ولا تستطيع الوقوف على الحياد الكامل دون أن تُهمَّش في لحظة إعادة تشكيل التوازنات.
لذلك، فإن الاستراتيجية المصرية تبدو قائمة على مبدأ “التوازن النشط”: الانخراط بما يكفي للتأثير، دون التورط بما يكفي لتحمل كلفة الصراع.
الاقتصاد السياسي للتهدئة: ما الذي تكسبه مصر؟
لا يمكن فصل الدور المصري عن حسابات الاقتصاد السياسي. فالتهدئة بين إيران والولايات المتحدة تعني استقرارًا نسبيًا في أسعار الطاقة، وانتعاشًا في حركة التجارة، وتقليلًا للمخاطر التي تهدد الاستثمارات في المنطقة. وكلها عوامل تصب في مصلحة الاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار البيئة الإقليمية.
كما أن نجاح مصر—حتى بشكل غير مباشر—في دعم مسار التهدئة يعزز من صورتها كدولة قادرة على لعب أدوار إقليمية مؤثرة، وهو ما ينعكس على قدرتها على جذب الشراكات والاستثمارات، وعلى موقعها في المعادلات الدولية.
التحديات: حدود الدور ومخاطر الانزلاق
رغم كل ما سبق، فإن الدور المصري يواجه تحديات حقيقية. أولها أن مساحة التأثير غير المباشر، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام قرارات القوى الكبرى. فإذا قررت واشنطن أو طهران التصعيد، فإن قدرة أي طرف إقليمي على منع ذلك تبقى محدودة.
ثانيها أن التداخل بين الساحات—من الخليج إلى البحر الأحمر إلى شرق المتوسط—يعني أن أي تصعيد في منطقة قد ينعكس على مناطق أخرى، بما في ذلك مناطق قريبة من المصالح المصرية المباشرة.
وثالثها أن نجاح الهدنة نفسها غير مضمون، ما يعني أن مصر قد تجد نفسها مضطرة للتعامل مع سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التهدئة المستدامة والانفجار المفاجئ.
بين الهدنة والاستدامة: هل تنجح المقاربة المصرية؟
السؤال الأهم ليس فقط: ما هو دور مصر الآن؟ بل: هل يمكن لهذا الدور أن يساهم في تحويل الهدنة إلى مسار أكثر استدامة؟
الإجابة تعتمد على عدة عوامل: مدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات سياسية، مدى استعداد إيران لتقديم ضمانات أمنية، قدرة الوسطاء على إدارة الخلافات التقنية، والأهم من ذلك، قدرة الأطراف الإقليمية على احتواء التوترات الجانبية.
في هذا الإطار، يبدو أن المقاربة المصرية—القائمة على التهدئة التدريجية، وبناء الثقة، وتجنب الصدامات المباشرة—تقدم نموذجًا واقعيًا، حتى لو لم يكن سريع النتائج. فهي لا تعد بحلول جذرية، لكنها تسعى إلى منع الانهيار، وهو في حد ذاته إنجاز في بيئة دولية مضطربة.
خاتمة: دور هادئ في لحظة صاخبة
في النهاية، قد لا تُذكر مصر في العناوين الرئيسية كمفاوض مباشر بين إيران والولايات المتحدة، لكنها حاضرة—بعمق—في البنية التي تسمح لهذا التفاوض بأن يحدث. إنها تلعب دورًا لا يعتمد على الضجيج، بل على القدرة على فهم التوازنات، وإدارة المسافات، وحماية المصالح دون إشعال الصراعات.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، قد يكون هذا النوع من الأدوار—الهادئة، المركبة، وغير المعلنة—هو الأكثر تأثيرًا. لأن ما يُبقي الهدن حيّة ليس فقط ما يُقال على الطاولة، بل ما يُدار حولها.