
كنتُ واقفًا على باب مكتب مقر حملة اللواء عمر سليمان، بشارع ابن الجبير في مصر الجديدة حين انطلق هاتفي يرنّ على نحوٍ مفاجئ.
كانت زوجتي آنذاك على الطرف الآخر وصوتها مشحون بعصبية واضحة:
“شفت اللي حصل؟”
تساءلتُ بدهشة:
“إيه اللي حصل؟”
جاءني صوتها متوترًا:
“خرجوا عمر بيه من سباق الرئاسة!”
استنكرتُ الأمر على الفور وقلتُ بنبرةٍ يختلط فيها التعجب بالرفض:
“إيه الكلام الفارغ ده؟!”
في تلك اللحظة كان اللواء حسين قد فتح الباب وعلى وجهه ابتسامته المعتادة التي لم تفارقه يومًا ؛ نظرتُ إليه وسألته:
“هو فيه حاجة حصلت؟”
ردّ مستغربًا:
“حاجة زي إيه؟!”
عاد صوت زوجتي إلى أذني أكثر إلحاحًا:
“افتح الحياة… بيتكلموا في الموضوع!”
فتحنا القناة معًا أنا واللواء حسين ولم تمضِ لحظات حتى تأكد الخبر ساد الصمت وارتسمت الدهشة على وجهيْنا في آنٍ واحد.
سألته عن اللواء عمر فأجابني بهدوء:
“نايم في الداخل… ولازم نصحيه ونبلغه.”
أدركتُ حينها أن الموقف لا يحتمل وجودي ولا يسمح بأي تردد ؛ انسحبتُ في صمت وغادرتُ المكان.
وطوال الطريق من مصر الجديدة إلى المعادي حيث منزلي كنتُ غارقًا في صدمةٍ ثقيلة كأن الزمن قد توقف فجأة وكأن ما حدث أكبر من أن يُستوعب .
سيطر عليّ شعور عميق بالخوف والقلق تجاه مستقبل بدا لي قاتمًا لمصر فقد بدا واضحًا أن جماعة الإخوان المسلمين ستكون الأقرب للوصول إلى السلطة باعتبارها القوة الأكثر تنظيمًا على الأرض خاصة مع ما كان يُتداول آنذاك عن وجود قبول أو دعم خارجي في إطار ما عُرف بمخطط “الربيع العربي” وهي تصورات يربطها البعض بأفكار أقدم تعود إلى سبعينيات القرن الماضي عقب نصر أكتوبر الذي شكّل لحظة فارقة في تاريخ المنطقة وما تبعه من رؤى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط إلى كيانات أصغر تقوم على اعتبارات متعددة.
مدفوعًا بهذه المخاوف ؛ الأمر الذي دفعني ان أتحرك ولا اصعد الي منزلي وتوجهت بسيارتي إلى حي الزمالك حيث كان يقيم المحامي الكبير الأستاذ فريد الديب في شقته الخاصة ؛ تلك التي اعتاد أن يعتكف فيها أثناء إعداد مذكراته في القضايا الكبرى وفي ذلك الوقت كانت “قضية القرن” تستحوذ على كامل تركيزه فكان ينفرد بالعمل عليها خلال إقامته هناك.
فتح لي محمد السفرجي الباب، وبسؤالي عن فريد بك أخبرني أنه في مكتبه بصحبة كاتب الآلة الكاتبة يملي عليه مذكرة الدفاع وأشار إلى أن حالته متوترة وأن الأجواء بالداخل مشحونة.
ما إن دخلت عليه ووقعت عيناه عليّ حتى بادرني بقلق:
— خير يا بيه؟ اتخانقتوا ولا إيه؟
كان يقصدني أنا وابنته طليقتي وأم بناتي والتي كانت آنذاك لا تزال على ذمتي فأجبته سريعًا:
— لا خالص أنا عاوز حضرتك في موضوع تاني.
بدا من نبرتي أن وراء كلامي حكاية، ففهم ذلك دون شرح خرج ببدلته الأنيقة كعادته ممسكًا بسيجاره الكوبي ينفث سحبًا كثيفة من الدخان ذي الرائحة المميزة وبنظرة منه أدركت أنه يدعوني لأن أتبعه.
دخلنا إلى غرفة الصالون،ك وأغلق الباب خلفه ومن ثم التفت إليّ قائلًا:
— خير، وراك إيه؟
قلت:
— حضرتك عرفت طبعًا موضوع اللواء عمر؟
رد باقتضاب:
— أيوه، عرفت.
تابعت:
— وإحنا هنسكت على كده؟
نظر إليّ متسائلًا:
— تقصد إيه؟
قلت بحماس:
— أكيد فيه ثغرة وحضرتك علمتني إن القانون واسع وعامل زي الحراب والحاوي الشاطر اللي يعرف يمد ايده ويخرج الثغرة ...
ابتسم وأطلق سحابة دخان كثيفة، ثم قال:
— بس أنا ما معييش قانون الانتخابات ده
عندها أخرجت نسخة من جيب الجاكيت وقلت مبتسمًا:
— ده؟
فضحك وضحكت معه وعلي الفور مد يده وأخذ يقلب صفحاته في نهم .. وللحديث بقية الأسبوع القادم باذن الله