عاجل

التصالح في مخالفات البناء.. قوانين متعددة وأزمة واحدة بلا حل | من يدفع الثمن؟

التصالح في مخالفات
التصالح في مخالفات البناء

بعد مرور ما يقرب من 10 سنوات على صدور قانون التصالح في مخالفات البناء، وتعديله أكثر من مرة بهدف تيسير الإجراءات وتشجيع المواطنين على تقنين أوضاعهم، لا تزال آلاف الملفات حبيسة الأدراج دون حسم نهائي، على الرغم تعدد القوانين وتوالي القرارات الحكومية.

التصالح في مخالفات البناء

الواقع يكشف عن أزمة ممتدة تتجاوز النصوص التشريعية إلى تعقيدات التنفيذ، حيث تتداخل الاختصاصات، وتتباطأ الإجراءات، وتغيب الحسم في بعض الحالات. 

ويطرح هذا المشهد تساؤلات جوهرية حول أسباب تعثر إنهاء هذا الملف الشائك، الذي يمس ملايين المواطنين ويحمل في طياته فرصًا كبيرة لتعظيم موارد الدولة وتحقيق الاستقرار العمراني، لماذا تعجز المنظومة عن غلق هذا الملف الشائك رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية؟:

بطء الإجراءات وتعدد الجهات وراء الأزمة

أكد الدكتور رضا فرحات أن ملف التصالح في مخالفات البناء لا يزال يواجه تحديات كبيرة، رغم صدور ثلاثة قوانين متتالية خلال أكثر من عشر سنوات، موضحًا أن الأزمة لم تعد في نصوص القانون نفسها بقدر ما أصبحت في بطء الإجراءات وتعدد الجهات المعنية بتنفيذه.

وقال فرحات في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، إن النسخة الحالية من قانون التصالح تضمنت تيسيرات كبيرة مقارنة بالقوانين السابقة، سواء من خلال قرارات مجلس الوزراء أو التعليمات الصادرة عن وزارة التنمية المحلية، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في تشابك الاختصاصات بين جهات عديدة، ما يؤدي إلى تعطيل إنهاء الطلبات وتأخر المواطنين في الحصول على الموافقات.

وأضاف أن المواطن لا يتعامل بشكل مباشر مع الجهات صاحبة القرار، وإنما يتقدم بطلبه إلى المراكز التكنولوجية التي تقوم فقط بتلقي الأوراق وتحويلها إلى الإدارات المختصة، وهو ما يؤدي إلى تكرار الذهاب والعودة أكثر من مرة، حيث يطلب من المواطن مستند أو رسم هندسي ثم يطلب منه لاحقًا مستند آخر أو رسوم إضافية.

 

رئيس الوزراء وجه بتسريع الملف

وأشار فرحات إلى أن مصطفى مدبولي أصدر خلال الأيام الماضية توجيهات واضحة بسرعة إنهاء ملف التصالح، خاصة أن المهلة الحالية أوشكت على الانتهاء، والدولة لا ترغب في الدخول في مرحلة جديدة من مد المهلة، لافتًا إلى أن الحكومة تدرك وجود عدد من الإشكاليات التي ما زالت تحتاج إلى حسم، وعلى رأسها تفسير بعض الحالات المتعلقة بالإحلال والتجديد، خاصة للمواطنين الذين حصلوا على تصالح على الأعمدة ويرغبون في استكمال صب الأسقف أو تشطيب العقار.

 

قيود الارتفاع والرسوم أبرز الشكاوى

وأوضح خبير التنمية المحلية أن من أكثر المشكلات التي تواجه المواطنين ما يتعلق بقيود الارتفاع، حيث كانت الرسوم في السابق تحسب بالكامل على مقدم الطلب حتى لو كان يمتلك شقة واحدة فقط داخل العقار المخالف.

وأضاف أن وزارة التنمية المحلية نجحت بالتنسيق مع الهيئة الهندسية في حل هذه الأزمة، بحيث يتم توزيع قيمة المخالفة الخاصة بقيود الارتفاع على جميع الوحدات داخل العقار، وبالتالي يتحمل كل مالك نصيبه فقط بدلاً من تحميله كامل قيمة المخالفة، مشيرًا إلى أن أزمة الجراجات كانت تمثل سببًا في وقف كثير من طلبات التصالح، خاصة في العقارات القديمة، إلا أن هناك خطوات جرى اتخاذها مؤخرًا لتخفيف هذه الأزمة وعدم تعطيل الملفات بسببها.

 

المشكلة ليست في موظفي الأحياء

وشدد فرحات على أن تحميل موظفي الأحياء المسؤولية الكاملة أمر غير دقيق، لأن موظفي المراكز التكنولوجية ليسوا أصحاب قرار، بل يقتصر دورهم على استلام الطلبات وتحويلها إلى الإدارات الفنية والجهات المختصة، كما أن التأخير ينتج في الأساس عن تعدد الجهات التي تراجع الملف، ومنها الإدارات الهندسية والحماية المدنية والجهات التابعة للولاية، وهو ما يخلق حالة من البطء والتعقيد.

 

اشتراطات الحماية المدنية تعطل بعض الملفات

وأشار إلى أن بعض طلبات التصالح تتعطل بسبب اشتراطات الحماية المدنية، والتي يصعب أحيانًا تنفيذها في العقارات القديمة، ما يؤدي إلى حالة من الشد والجذب بين المواطنين والجهات المختصة، كما أن وزارة التنمية المحلية تعمل بشكل مستمر على إزالة هذه العقبات، سواء من خلال إصدار قرارات جديدة أو التنسيق مع الجهات المختلفة لتخفيف الاشتراطات التي يصعب تطبيقها.

 

أصحاب الطلبات القديمة يواجهون أزمة جديدة

وتطرق فرحات إلى أزمة المواطنين الذين تقدموا بطلبات في القانون الأول خلال عامي 2019 و2020، موضحًا أن نسبة كبيرة من هذه الطلبات تم رفضها بعد الانتقال إلى المنظومة الجديدة، بسبب عدم الربط بين النظام القديم والجديد أو فقدان بعض الأوراق والمستندات، مؤكدًا أن القانون أتاح لهؤلاء المواطنين إعادة تقديم الطلبات مرة أخرى دون فقدان الرسوم التي سبق سدادها، حيث يتم ترحيل المبالغ المدفوعة إلى النظام الجديد، حتى وإن اضطر المواطن إلى استخراج مستندات أو رسومات جديدة.

ورأى الدكتور رضا فرحات أن الحل يكمن في منح مزيد من المرونة للجهات صاحبة الولاية، مع سرعة إصدار القرارات التنفيذية اللازمة لحسم النقاط الخلافية، خاصة ما يتعلق بالأحوزة العمرانية والإحلال والتجديد في الأراضي الزراعية، كما أن بعض هذه المشكلات تحتاج إلى تعديل تشريعي، مؤكدًا أن الدولة لديها جدية واضحة لإنهاء هذا الملف، وأن هناك متابعة مستمرة من الحكومة ووزارة التنمية المحلية لتذليل العقبات، معربًا عن ثقته في أن ملف التصالح في مخالفات البناء سيتم حسمه خلال الفترة المقبلة، بما يحقق مصلحة المواطنين ويوفر في الوقت نفسه موارد كبيرة للدولة.

أكد الدكتور صبري الجندي مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق،أن أزمة التصالح في مخالفات البناء لم تحل رغم مرور أكثر من 10 سنوات على صدور القانون وتعديله مرتين، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات، بل في آليات التنفيذ وغياب الحسم في تطبيق القانون.\

 

 

خلق حالة من عدم الثقة لدى المواطنين

وقال الجندي في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، إن عدد المخالفات التي تم حصرها على أرض الواقع بلغ نحو 3.6 مليون وحدة، بينما تقدم للتصالح قرابة 2.8 مليون مواطن فقط، ورغم ذلك لم تنجح الحكومة حتى الآن في إنهاء سوى عدد محدود من الطلبات لا يتجاوز 170 إلى 180 ألف حالة، لافتًا إلى أن هذا البطء الشديد في إنهاء الملفات خلق حالة من عدم الثقة لدى المواطنين، وجعل كثيرين يترددون في التقدم للتصالح.

وأوضح مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق أن الحكومة استجابت مرارًا لمطالب المخالفين، وأدخلت تعديلات واسعة على القانون وقدمت تسهيلات كبيرة في النسخ المختلفة، إلا أن الإقبال لم يكن بالمستوى المتوقع، مشيرًا إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو شعور المخالفين بأن الدولة ستستمر في مد المهلة، ما دفعهم لتأجيل التقدم انتظارًا لمزيد من التسهيلات.

 

غياب الردع شجع على استمرار المخالفات

وأضاف الجندي أن غياب الحسم في تنفيذ قرارات الإزالة أو قطع المرافق كان عاملًا أساسيًا في تفاقم الأزمة، موضحًا أن المواطن المخالف لا يجد دافعًا للتصالح في ظل استمرار حصوله على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والغاز، وأن التهديدات السابقة بالإزالة لم تنفذ بالشكل الكافي، ما أفقدها تأثيرها، بل إن بعض الحالات التي تمت إزالتها عادت للبناء مرة أخرى في نفس اليوم، في ظل ضعف الرقابة.

وأشار إلى وجود حالة من التراخي وأحيانًا التواطؤ بين بعض العاملين في الإدارة المحلية والمخالفين، ما أدى إلى استمرار البناء المخالف دون رادع حقيقي، وخلق ما وصفه بـ"لعبة القط والفأر" في التعامل مع هذه الظاهرة.

 

تعقيدات إدارية تعطل المواطنين

وأوضح مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن الإجراءات داخل الأحياء تمثل أحد أبرز المعوقات، حيث يتم استلام الملفات دون مراجعة فورية، ثم يُطلب من المواطن استكمال مستندات بعد فترات طويلة، ما يضطره إلى تكرار الإجراءات، مشددًا على ضرورة مراجعة الأوراق فور تقديمها، وإبلاغ المواطن بأي نواقص في نفس الوقت، بدلًا من إهدار الوقت وإطالة دورة الإجراءات.

وطرح الجندي مجموعة من الحلول العاجلة، في مقدمتها، عدم مد مهلة التصالح مرة أخرى، لإجبار المخالفين على اتخاذ قرار سريع، وتطبيق حقيقي لقطع المرافق عن الوحدات المخالفة، وتنفيذ إزالات ولو بشكل رمزي لإثبات جدية الدولة في تطبيق القانون، وتدريب موظفي الإدارة المحلية على تطبيق القانون بشكل صحيح ومنع التعنت أو سوء الفهم، كما يجب تبسيط الإجراءات وتقليل المستندات المطلوبة لتشجيع المواطنين على التقدم.

 

القانون فقد هيبته 

وأكد مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن استمرار تقديم التسهيلات دون حسم حقيقي أفقد القانون هيبته، مشيرًا إلى أن المواطن المخالف لن يتحرك للتصالح إلا إذا شعر بجدية الدولة في التنفيذ، وأن إنهاء هذا الملف يتطلب مزيجًا من الحزم في تطبيق القانون، إلى جانب تبسيط الإجراءات، بما يحقق مصلحة المواطنين ويوفر موارد مالية كبيرة للدولة.

تم نسخ الرابط