عاجل

هل الاحتكار حرام شرعاً؟.. اعرف الحكم وإجراءات عملية لمواجهته

 الاحتكار
الاحتكار

هل الاحتكار حرام شرعاً؟، سؤال نرصد بيانه من خلال ما ذكرته المنصة الرقمية للأوقاف، حيث يُعَدُّ الاحتكار من أخطر الآفات الاقتصادية والاجتماعية التي تصدّى لها الإسلام بحزمٍ شديد، لا سيما في أوقات الأزمات والشدائد؛ إذ يتحوّل حينها إلى سلوكٍ جائرٍ يختنق به المجتمع، وتضيق به معايش الناس، فهو حينئذ ليس مجرد حبسٍ للسلع، بل اعتداءٌ على حاجات الخلق، وإخلالٌ بميزان العدالة والتكافل، سواء تعلّق الأمر بالطعام أو الدواء أو سائر الضَّروريات التي تقوم بها حياة الناس.

وتابعت الأوقاف في حديثها عن الاحتكار والمقرر ضمن موضوع خطبة الجمعة المقبلة : من ثمّ، جاء التحذير منه صريحًا، لما يخلّفه من قسوةٍ في القلوب، وغلاءٍ في الأسعار، وفسادٍ في روح المجتمع التي تقوم على الرحمة والتعاون، لا على الاستغلال والجشع، وإليك طرفا من بيان ذلك.

مفهوم الاحتكار

هو سلوكٌ يقوم على حبس السلع الضرورية - ولا سيما الأقوات -، ومنع تداولها بين الناس في وقتٍ تشتد فيه حاجتهم إليها، ترقُّبًا لارتفاع أسعارها، طمعًا في تحقيق أرباحٍ فاحشة على حساب معاناة الآخرين وضيق عيشهم.

الاحتكار خطيئة وأكل لأموال الناس بالباطل:

ورغم أن لفظ "الاحتكار" لم يَرِدْ بعينه في القرآن الكريم، فإن معانيه حاضرةٌ في نصوصه، حيث جاءت الآيات محذِّرةً من الظلم، وزاجرةً عن أكل أموال الناس بغير حق، ومؤكِّدةً على إقامة العدل وصيانة حقوق العباد، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].

والمحتكر يأكل أموال الناس بالاضطرار لا بالتراضي، بل ذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ}، أي: بأكل بعضكم أموال بعض، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: "وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكمْ} .. وقال بعضهم: إن المعنى لَا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض، وبارتكاب المعاصي، فإن ذلك مفرق لجمعكم مفسد لأمركم مذهب لوحدتكم، وبذلك تقتل الأمم والتجمعات، وقد ارتضى هذا ابن بشير فقال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ} أي بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه، وأكل أموالكم بينكم، وإن هذا هو الذي نرتضيه، وهو يتضمن في ثناياه النهي عن القتل بكل ضروبه؛ لأنه داخل في محارم الله" [زهرة التفاسير].

التحذير من الاحتكار في السنة

وفي السنة النبوية المطهَّرة يتجلّى الموقف الحازم من هذه الآفة؛ إذ يصف النبي صلى الله عليه وسلم المحتكر بأنه واقعٌ في الخطيئة، تحذيرًا من فعله وزجرًا عن سلوكه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احْتَكَرَ فهوَ خَاطِئٌ» [رواه مسلم].

وفي هذا البيان النبوي دلالةٌ واضحة على أن الاحتكار ليس مجرد مخالفةٍ اقتصادية، بل ذنبٌ يأثم به صاحبه لما فيه من إضرارٍ بالناس واستغلالٍ لحاجاتهم.

قال الإمام النووي: "وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار، ... قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس" [شرح النووي على مسلم].

ولا يكتفي الشرع في بيان سوء حال المحتكر وارتكابه للخطايا، بل توعَّد صاحبَ هذه الفعلةِ الشَّنعاء بعقوبة معجَّلة له في الدنيا، جزاء ما ارتكبه، فقد روى البخاري في [التاريخ الكبير]، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احْتكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِبَلاءٍ أَوْ جُذامٍ»، وقد روي: أن طعامًا ألقي على باب المسجد فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو أمير المؤمنين - فقال: ما هذا الطعام؟، فقالوا طعام جلب إلينا أو علينا، فقال له بعض الذين معه يا أمير المؤمنين قد احتكر، قال ومن احتكره؟ قالوا احتكره فروخ وفلان مولى عمر بن الخطاب، فأرسل إليهما فأتياه، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس»، فقال عند ذلك فروخ: يا أمير المؤمنين، فإني أعاهد الله وأعاهدك على أن لا أعود إلى احتكار طعام أبدا، فتحول إلى بَرِّ مصر، وأما مولى عمر فقال نشتري بأموالنا ونبيع، فزعم أبو يحيى أحد رواته أنه رأى مولى عمر مجذوما مشدوخًا" [الزواجر عن اقتراف الكبائر].

هذا إلى جانب ما رواه ابن ماجة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْجَالِبُ ‌مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» [رواه ابن ماجة].

الاحتكار خيانة للأمانة:

خيانةُ الأمانة من أفظع ما يتلبّس به التاجر، إذ جعله الإسلام أمينًا على أقوات العباد وحاجاتهم، لا متحكِّمًا فيها بهواه، ولا مستغلًّا لضرورات الناس وآلامهم، فإذا ضاقت السبل، واشتدّت الأزمات، كان واجب الأمانة أن ييسّر ولا يعسّر، وأن يُفرِّج ولا يُضيِّق؛ فمن احتكر في مثل هذه المواطن، فقد خان الأمانة، ونقض ميثاق الرحمة الذي يقوم عليه التعامل في الإسلام.

وقد جاء الشرع مؤكِّدًا هذا المعنى تأكيدًا بالغًا؛ فقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨]، فجعل أداء الأمانة أصلًا من أصول الدين، لا يستقيم المجتمع إلا به، كما قال سبحانه: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [هود: ٨٥]، فنهى عن كل صور الظلم التي تُنقِص حقوق الناس أو تُضيّق عليهم معايشهم.

الاحتكار مضاد للتوكل:

الاحتكارُ صورةٌ من صور ضعف التوكّل على الله، بل هو في حقيقته مناقضٌ لروحه؛ إذ يظنّ المحتكر أن رزقه إنما يتحقّق بالتضييق على الخلق، وحبس الأقوات، وانتظار شدّة الناس ليغتنم حاجتهم، وهذا وهمٌ يناقض عقيدة المؤمن، الذي يوقن أن الرزق بيد الله، يُؤتيه من يشاء بغير حساب، وأن البركة لا تُنال بالاستغلال، بل بالصدق والإحسان.

وقد عبّرت السنة النبوية عن هذا المعنى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الجالبُ مرزوقٌ»، فبيّن أن من يسعى في تيسير السلع وجلبها للناس يُبارَك له في رزقه، لأنه نفع الخلق وخفّف عنهم، فالمؤمن الحقّ يرى في سَعة الخير للناس سَعةً له، ويعلم أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، وأن التوكّل الصادق يدفعه إلى السعي الشريف، لا إلى الاحتكار الجشع؛ فحيثما وُجد الإيمان الصادق، غابت الأنانية، وحضرت الرحمة، وساد العدل.

فقه الجسد الواحد.. التكافل لا الاستغلال:

التكافلُ لا الاستغلال… تلك هي روح الإسلام حين تشتدُّ الأزمات، ويضيق الحال، وتُختبَر معادن النفوس، ففي مثل هذه اللحظات يتجلّى معنى الحديث الشريف: "«مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]، حيث لا يعيش الفرد لنفسه، بل ينبض قلبه بألم غيره، ويسعى لرفع الضيق عن إخوانه، كما يسعى الجسدُ كلُّه لشفاء عضوٍ تألَّم.

ومن هنا تنبثق الأخلاق الحقيقية للمسلم؛ فهو لا يرى في حاجة أخيه فرصةً للربح والمساومة، بل يراها بابًا للقُربة إلى الله، وميدانًا للبذل والإحسان، يواسي، ويُيسّر، ويقدّم، طمعًا في أجرٍ أعظم من كل مكسبٍ زائل.

أما المحتكر، فإنه ينفصل عن هذا الجسد الحيّ، ويعتزل روح الجماعة، ليبني مصلحته على جراح الآخرين، ويقتات على آلامهم.

إجراءات عملية لمواجهة آفة الاحتكار:

الوعي بعدم نشر الشائعات، إذ المحتكر يعيش على شائعات "نقص السلع" ليدفع الناس للتهافت على الشراء، والتأكد من مصدر ما يشاع من الأخبار الاقتصادية.

الاستهلاك الرشيد وتجنب حمى التخزين، إذ الاندفاع إلى شراء كميات زائدة عن الحاجة، خوفا من فقدها أو نقصها، هو غاية ما يطلبه التاجر المحتكر من المستهلك، إذ بذلك ينخفض المعروض في السوق، ويرتفع السعر تلقائيًا نتيجة زيادة الطلب.

البحث عن البديل، عند ارتفاع سعر سلعة بسبب الاحتكار، توجّه مباشرة نحو البحث عن منتج بديل أو سلعة منافسة لتغطية الحاجة، دون الاعتماد على المحتكر.

التكافل الاجتماعي في الأزمات، إذا كنت تمتلك فائضًا من سلعة معينة، فلا تكن عونًا للمحتكر على أخيك، فالمشاركة المجتمعية تخفف الضغط على السوق.

تم نسخ الرابط