السيدة حليمة السعدية.. قصتها وكيف أثر إرضاع النبي ببني سعد في شخصيته؟
سلطت المنصة الرقمية لوزارة الأوقاف الضوء على قصة إرضاع النبي في ديار بني سعد، حيث مثلت فترة الرضاعة في البادية محضنًا تربويًا وجسديًا فريدًا للنبي ﷺ؛ فقد أفاضت بركته على بيت حليمة السعدية، وصقلت الصحراء لغته وروحه، حتى جاءت حادثة شق الصدر تطهيرًا إلهيًا مبكرًا؛ ليعود بعدها إلى حضن أمه آمنة وقد أُعد لاستقبال أقدار أعظم.
نشأة النبي في بني سعد
وقالت الأوقاف إنه في ديار بني سعد، تجلت أسمى آيات الرعاية الربانية في نشأة سيدنا رسول الله ﷺ ورضاعه؛ حيث اختار الله لنبيه بيئة البادية الصافية لتكون حاضنةً لطفولته المباركة، وما كان خروجه ﷺ إلى هناك مجرد سيرٍ على عادة أشراف مكة في طلب فصاحة اللسان ونقاء الهواء، بل كان اصطناعًا على عين الله، وتهيئةً ربانيةً كريمةً في بيئةٍ نقيّةٍ، رعت أولى بذور الكمال البشري في شخص سيدنا محمد ﷺ.
قصة حليمة السعدية والبركة التي حلت ببيتها
خرجت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مع نساء قبيلتها إلى مكة سعيًا وراء الرضعاء؛ وقد أجمع رواة السيرة على أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك من سنة مجدبة قاحلة، جف فيها الضرع ويبس الزرع، حتى إن حليمة وزوجها خرجا على أتان هزيلة ومعهم ناقة مسنة لا تتندى بقطرة لبن.
وقد عُرض النبي ﷺ على المرضعات، فرفضنه جميعًا ليتمه، طمعًا في أجر والد الطفل؛ لكن حليمة، التي لم تجد رضيعًا غيره، أبت أن تعود خائبة، وقررت أخذه، تقول السيدة حليمة رضي الله عنها: "قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ، إذَا قِيلَ لَهَا إنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاَللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ، قَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً.
ما إن صار سيدنا محمد ﷺ في منزل السيدة الرضية حليمة السعدية واستكان إلى حجرها، حتى تبدلت قوانين الطبيعة من حولها؛ فدر ثدياها حتى شبع هو وأخوه من الرضاعة، وعاد الدّرُّ حافلًا في ناقتها المسنة، فباتا ليلتهما شبعانين، تقول السيدة حليمة رضي الله عنها: "فَلَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ".
لم تقتصر البركة على تلك الليلة، بل امتدت لتشمل حياتها وبيتها؛ فعادت ديار السيدة حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرة، وصارت أغنامها تسرح وتعود شباعًا ممتلئة الضرع باللبن، في حين كانت أغنام قومها تعود جياعًا، تقول السيدة حليمة رضي الله عنها: "ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنًا، فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنْ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ (فطمته)".
وهذا التغير الجذري المتفق عليه بين رواة السيرة يحمل دلالات عميقة على علو شأن رسول الله ورفعة مرتبته عند ربه حتى وهو طفل رضيع وليس ببعيد ولا مستغرب أن يكون تشرف المكان برسول الله سببًا مباشرًا لاخضرار الأرض المجدبة، فسببيته للبركة والإكرام الإلهي أبلغ من سببية قطر السماء، كيف لا، وهو الذي أرسله الله رحمة للناس كافة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
أثر البيئة البدوية في إعداد شخصية سيدنا رسول الله ﷺ
لم تكن إقامة النبي ﷺ في بادية بني سعد مجرد فترة رعايةٍ مؤقتة، بل كانت إعدادًا ربانيًا وتهيئةً كريمةً لشخصه الشريف من الجوانب كافة، لتؤهله لحمل أمانة الرسالة العظيمة التي تنتظره:
لغةً (فصاحة اللسان وبيان الكلم): كانت قبيلة بني سعد بن بكر تُعد من أفصح العرب لسانًا وأعذبهم بيانًا؛ وفي كنفها نشأ النبي ﷺ مستمعًا ومتحدثًا بلغةٍ عربيةٍ نقية، بعيدةٍ تمامًا عن اللحن والاختلاط اللغوي الذي بدأ يتسرب إلى مكة مع توافد قوافل الحجاج والتجار. وقد حباه ذلك أساسًا متينًا من البلاغة، ومهّد لاختصاصه ﷺ لاحقًا بجوامع الكلم.
جسدًا (صلابة البنيان الشريف): أورث هواء البادية النقي وطعامها البسيط جسده الشريف قوةً وفتوةً؛ فالنشأة في تلك المساحات المفتوحة التي تتطلب حركةً دائمةً، بعيدًا عن دعة الحواضر، أكسبت بنيته الكريمة صلابةً وقدرةً فائقةً على تحمل المشاق التي ستكتنف مسيرة دعوته وأسفاره وغزواته.
نفسًا (الصفاء الروحي والتأمل): هيأت الصحراء بصمتها المهيب ونجومها الزاهرة بيئةً مثاليةً للتأمل والصفاء الذهني، مما زاد من رهافة حسه الشريف وإدراكه الواسع لآيات الخالق، بعيدًا عن صخب مكة. كما أن طبيعة الحياة البدوية وما تتطلبه من يقظةٍ دائمة، صقلت في نفسه الكريمة الشجاعة وسرعة البديهة والثبات في مواجهة الشدائد، فضلًا عن غرسها في روحه الطاهرة حبًا للانطلاق وترفعًا عن القيود المادية، لتظل روحه الشريفة تواقةً دائمًا إلى معالي الأمور.
وقد ورد في ذلك المعنى عَنْ سيدنا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ، وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، ونَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَنَّى يَأْتِينِي اللَّحْنُ؟».
ويقول العلامة المناوي -رحمه الله-:"«أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَا أَعْرَبُ الْعَرَبِ، وَلَدَتْنِي قُرَيْشٌ، ونَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» يعني استرضعت فيهم وهم من أفصح العرب «فَأَنَّى يَأْتِينِي اللَّحْنُ؟» تعجب أي كيف يجوز علي النطق باللحن وأنا أعرب العرب ولذلك أعيا فصحاء العرب الذين يتنافسون بالشعر في مناظم قريضهم ورجزهم ومقطعاتهم وخطبهم وما يتصرفون فيه من الكناية والتعريض والاستعارة والتمثيل وصنوف البديع وضروب المجاز والإفتتان في الإشباع والإيجاز حتى قعدوا مقهورين مغمورين وبقوا مبهوتين مبهورين حتى استكانوا وأذعنوا وأسهبوا في الاستعجاب وأمعنوا قال في الروض: إنما دفع أشراف العرب أولادهم إلى المراضع في القبائل ولم يتركوهم عند أمهاتهم لينشأ الطفل في الأعراب فيكون أفصح للسانه وأجلد لجسمه وأجدر أن لا تفارقه الهيئة المعربة كما قال في الحديث: تمعددوا واخشوشنوا. فكان ذلك يحملهم على الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات وكان عبد الملك بن مروان يقول: أضرنا حب الوليد لأن الوليد كان لحانا لكونه أقام مع أمه وغيره من إخوته أسكنوا البادية فتعربوا ثم أدبوا فتأدبوا".
حادثة شق الصدر: التطهير الإلهي والعودة إلى مكة
عاش النبي ﷺ في ديار بني سعد نشأةً مباركةً تملؤها البركة والنمو الجسدي والروحي؛ حتى بلغ من العمر أربع أو خمس سنوات، لتأتي محطة فارقة ومدهشة غيرت مسار الأحداث؛ وهي حادثة شق الصدر التي كانت إيذانًا بتدخل السماء المباشر لإعداد هذا الطفل لمهمة عظمى، وسببًا مباشرًا لعودته إلى حضن أمه آمنة
تروي السيدة حليمة السعدية رضي الله عنها تفاصيل هذا الحدث العظيم المليء بالرهبة؛ فتقول إنهم بعد عودتهم به إلى البادية بأشهر، وبينما كان يرعى البهم (صغار الغنم) مع أخيه من الرضاعة خلف بيوتهم، أتاهم أخوه يشتد مسرعًا؛ فصرخ فيها وفي أبيه قائلًا: "ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه، فهما يسوطانه"؛ فخرجت حليمة وزوجها مفزوعين نحوه، فوجداه قائمًا منتقعًا وجهه (أي متغير اللون من الخوف)؛ فالتزماه وضموه إليهما، وسألاه بلهفة: "مالك يا بني؟"، فأجابهم ﷺ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وشقَّا بَطْنِي، فالتمسا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ»؛ فرجعا به إلى خبائهم وهما في غاية القلق؛ ولم تكن هذه الحادثة أذًى جسديًا، بل كانت اصطفاءً ربانيًا مبكرًا؛ فقد نزل جبريل عليه السلام ليطهر قلب نبيه ويستخرج منه حظ الشيطان، ثم يغسله بماء زمزم في طست من ذهب، ليكون مستعدًا لتلقي الوحي وحمل الأمانة بقلب سليم نقي منذ نعومة أظفاره.
وقد أحدثت هذه الواقعة زلزالًا في نفس حليمة السعدية وزوجها؛ فقد خافا عليه خوفًا شديدًا من أن يكون قد أصابه مس أو أذًى، ورأيا أن مسؤوليتهما تجاه هذا الطفل قد بلغت حدًا لا يمكنهما تحمله في قلب البادية؛ فقررا على الفور إنهاء فترة رضاعته وإقامته بين بني سعد؛ فعادت حليمة بالنبي ﷺ إلى مكة، وسلمته لأمه آمنة بنت وهب، رغم حبها الشديد له وتعلقها ببركته؛ وقد سألتها آمنة عن سبب إرجاعه المبكر وهي التي كانت حريصة على بقائه، فصارحتها حليمة بما حدث وبمخاوفها؛ ولم تجزع آمنة بنت وهب حين سمعت القصة، بل قابلت ذلك بيقين واطمئنان؛ وقالت لحليمة: "أخفتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني هذا لشأنًا"، ثم حدثتها بما رأت من بشائر ونور حين حملت به وولدته.
وهكذا طويت صفحة البادية بما فيها من صفاء ونقاء وتأسيس، لتبدأ مرحلة جديدة في حضن أمه في مكة، حيث سيتشرب من حنانها قبل أن يفجع بفقدها في سن مبكرة.





