تل أبيب تنتفض.. متظاهرون يطالبون نتنياهو بإنهاء الحرب مع إيران
خرج مئات الإسرائيليين إلى شوارع تل أبيب السبت، رافعين لافتات تطالب بوقف الحرب مع إيران، وهاتفين ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
جاء هذا التحرك الشعبي رغم القيود الصارمة التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على التجمعات العامة منذ بدء العمليات العسكرية، في دلالة واضحة على تنامي موجة الرفض الداخلي للسياسة الحكومية، وتصاعد الأصوات المطالبة بإيجاد مخرج دبلوماسي للأزمة الإقليمية المتفاقمة.

"لا للقصف".. متظاهرون يتحدون القيود
تجمع المحتجون في ساحة مركزية وسط المدينة الساحلية، حاملين لافتات وأعلاما عبرت عن رفضهم الصريح للحرب المستمرة.
وكان من أبرز ما رُفع من شعارات لافتة كُتب عليها: "لا للقصف... أنهوا الحرب التي لا تنتهي"، في إشارة إلى ما يصفه المحتجون بالدوامة العسكرية التي لا أفق واضحا لها.
وأكد المتظاهرون أنهم لن يتراجعوا عن حقهم في التعبير عن آرائهم رغم الضغوط الأمنية، مشيرين إلى أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا ينبغي أن تكون ذريعة لإسكات الأصوات المعارضة أو تقييد حرية الرأي والتجمع.

منظمو الاحتجاج: "الشرطة تريد إسكاتنا"
تحدّث ألون لي جرين، أحد أبرز منظمي الاحتجاج والمسؤول في مجموعة النشاط الشعبي الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة "لنقف معا"، بلهجة حازمة عن محاولات السلطات تفريق المتظاهرين، قائلا لوكالة فرانس برس: "الشرطة تحاول إسكات صوتنا".
وأضاف جرين موضحا أهداف التجمع: "نحن هنا للمطالبة بإنهاء الحرب في إيران، والحرب في لبنان، والحرب في غزة التي ما زالت مستمرة، وكذلك لإنهاء الفظائع في الضفة الغربية. في إسرائيل هناك دائماً حرب، وإن لم يُسمح لنا بالتظاهر فلن يُسمح لنا أبداً بالكلام".
غير أن الأمور لم تسر بسلام، إذ أقدمت الشرطة الإسرائيلية لاحقا على اعتقال جرين وعدد من المتظاهرين، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات في أوساط منظمات حقوق الإنسان والمعارضة الإسرائيلية، التي اعتبرت الاعتقالات اعتداءً صريحاً على حق التظاهر السلمي.

المتظاهرون يشككون في مبررات الحكومة
لم يقتصر الغضب الشعبي على رفض الحرب، بل امتد ليشمل تشكيكا واسعا في الدوافع الحقيقية التي تقف وراء استمرار العمليات العسكرية، وعبرت كثير من المتظاهرات والمتظاهرين عن اعتقادهم بأن الحرب باتت أداة سياسية في يد رئيس الوزراء أكثر من كونها ضرورة أمنية.
وفي هذا السياق، قالت سيسيل (62 عاما) التي اكتفت بذكر اسمها الأول: "لديّ شكوك قوية حول الأسباب الحقيقية للحرب. أعتقد أن السبب الرئيسي هو أن نتنياهو يريد تعطيل محاكمته والهروب من العدالة".

وتجدر الإشارة إلى أن نتنياهو يخضع منذ سنوات لمحاكمة في قضية فساد بالغة الحساسية، وقد تقدم بطلب للحصول على عفو رئاسي، كما كشفت تقارير عن ضغوط متكررة مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج لمنح نتنياهو هذا العفو، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل.
وفي السياق ذاته، أشارت سيسيل إلى غياب أي رؤية واضحة لمآلات الحرب، قائلة: "أسباب الحرب تتغير وتتبدل طوال الوقت. لا نعرف ما الذي سيُعتبر نجاحا أو فشلا، ولا نعرف كم من الوقت ستستغرق".
نتنياهو يتعهد بمواصلة الضربات
في المقابل، جاء رد نتنياهو حاسما وقاطعا، إذ أطل مساء السبت في بيان مصور متعهدا بمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون أي تراجع، قائلا: "لقد وعدتكم بأننا سنواصل ضرب النظام في طهران، وهذا بالضبط ما نفعله".
وكشف نتنياهو أن القوات الإسرائيلية استهدفت يوم السبت مصانع للبتروكيماويات الإيرانية، وذلك في أعقاب ضربات طالت الجمعة منشآت لإنتاج الصلب.
وأوضح نتنياهو أن هذين القطاعين يمثلان شريانا اقتصاديا حيويا لتمويل الحرب، قائلا: "هاتان الصناعتان هما ماكينة المال التي تمول الحرب ضدنا وضد العالم بأسره، وسنواصل ضربهما".
ويرى المنتقدون أن هذه الخطابات تفتقر إلى استراتيجية خروج واضحة، وأن الحكومة لا تملك تعريفا محددا للنصر الذي تسعى إلى تحقيقه، في حين تتصاعد الخسائر البشرية والاقتصادية يوما بعد يوم.

صواريخ تقطع التظاهر.. وإصابات في صفوف المدنيين
على وقع الاحتجاجات، شهدت الأجواء الإسرائيلية توترا أمنيا حادا، إذ رصد الجيش الإسرائيلي ثماني رشقات صاروخية أُطلقت من إيران منذ منتصف الليل، فضلا عن صاروخ إضافي أُطلق من اليمن مساء السبت.
وأسفرت هذه الهجمات عن إصابة خمسة أشخاص على الأقل، وفقاً لما أعلنه مسعفون إسرائيليون.

وما إن صدرت التحذيرات الأمنية حتى بدأ المتظاهرون بمغادرة ساحة التجمع بشكل سريع، في مشهد يجسد المفارقة الصارخة بين صوت المطالبين بالسلام وصوت الصواريخ التي تمزق سماء المدينة.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
تعود جذور هذه الأزمة إلى الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة ضد إيران، سرعان ما تحوّلت إلى نزاع إقليمي واسع النطاق تتشابك فيه أطراف متعددة وجبهات مفتوحة.
ومنذ ذلك الحين، تتبادل إسرائيل وإيران الضربات بشكل متصاعد، في ظل مخاوف دولية متزايدة من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أكثر شمولا وخطورة.
وتبقى احتجاجات تل أبيب شاهدا على أن ثمة صوتا إسرائيليا آخر يرفض منطق الحرب اللانهائية، ويطالب بمستقبل مختلف بعيدا عن دوامة العنف والدمار.



