عاجل

في عالم مرتبك ، وفي ظل حقائق ملتبسة ، وأوضاع ضبابية، لم تعد الكلمات كافية  لتعلن  مكانة الدول  واستقرارها ، بل بما تبنيه على الأرض ، ما تحفظه من حقوق وما تستطيع حمايته وقت الأزمات.
لذلك، حين يتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن مصر كمركز للحبوب والطاقة، فالأمر يتجاوز المجاملة الدبلوماسية، ليعكس إدراكًا دوليًا لما تحقق بالفعل. 
وخلال لقائه مع وزير خارجيتنا دكتور بدر عبد العاطي  في موسكو  يظهر  بوضوح  ، أن القاهرة لم تعد مجرد "تابع" يتأثر بالأزمات، بل "فاعل" يملك أدوات التعامل معها ، قيادة و شراكة وفاعلية ..  وهو ما عكسه تصريحات بوتين الذي  اعلن عن استماعه لرؤية مصر للموقف في المنطقة، 
وهكذا بينما تنشغل أطراف إقليمية بالصراع، كانت مصر تعيد ترتيب أولوياتها، وتبني عناصر قوة تمس جوهر أمنها القومي: الغذاء، والطاقة، والاستقرار ، جاءت الزيارة الهامة لموسكو ، وانطلقت التصريحات من قلب الكرملين لتعلن دفع العلاقات والاتجاه الي تعزيزها وتجاوز التحديات ، لتعكس بوضوح استراتيجية وطنية لتوازن دبلوماسي  
موقف سيتوقف التاريخ أمامه ليسجل دور قيادة سياسية اختارت أن تبني علاقات متوازنة مع قوى دولية متنافسة ( الولايات المتحدة- روسيا – الغرب – الصين)  عبر تطبيق مفهوم (الاستقلال الاستراتيجي)  توازن دون صدام ، حضور دائم ، و انخراط مع الجميع دون الوقوع في فخ الاستقطاب الدولي الحاد .
و  كان الاختيار يربط بين الأمن الغذائي وأمن الطاقة ، سلاحان في حروب الحاضر والمستقبل  فيما  يتعلق بالأمن الغذائي خاصة  الحبوب،  فقد تغير المنطق  في التعامل مع تحدي ظل يضيف الخناق علي استقلال القرار السياسي ، حتي تحول 
الهدف من تأمين احتياجات " لقمة العيش "، الي إدارة المخاطر  ، و التي ظهرت في أوجها  خلال الحرب الروسية الاوكرانية، فجاء القرار  السيادي بالاسراع بخطط التوسع في إنشاء الصوامع الحديثة، وزيادة السعات التخزينية، وتوزيعها جغرافيًا، تأمين ل " مستقبل مصر " بما يكفل منح الدولة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات في سوق عالمي أصبح شديد التقلب، تستخدم فيه السلع الأساسية غالباً كأدوات ضغط.
وفي الطاقة، لم يكن ما جرى مجرد توسع في البنية التحتية، بل تأسيس لدور اقليمي ، يعزز خطوط الامداد بشبكة من  المواني وخطوط الأنابيب  و المستودعات الاستراتيجية في مواقع مدروسة، على امتداد البحرين الأحمر والمتوسط، تعكس رؤية تتجاوز الاكتفاء الذاتي إلى القدرة على التخزين وإعادة التوزيع. 
هنا تتحول الدولة من مستهلك إلى فاعل، ومن سوق إلى صانع  ومن نقاط عبور الي مركز اقليمي للتداول.
الميزة الأهم أن هذا التحول لم يعتمد على الموقع الجغرافي فقط، رغم أهميته، بل على تعظيم القيمة الجيوسياسية . فمصر، التي تقع في قلب العالم عند نقطة التقاء حيوية بين قارات ومسارات تجارة، نجحت في تحويل هذه الميزة  إلى نفوذ فعلي مدعوم ببنية تحتية وقدرة تشغيلية وتوازن سياسي ودبلوماسي يفتح لها خطوط الاتصال المتوازية .
اللافت ان القرار السياسي الذي يقف خلف ما حدث خلال السنوات الماضية لم يكن صاخبًا، لكنه كان عميقًا ، كقطع احجية تتوالي جمع اجزاءها علي التوالي  لترسم صورة متكاملة لمستقبل مستقر يضمن ثبات سفينة الوطن في ظل طوفان يطيح بدول وشراكات إقليمية ودولية.. 
لم ترفع  الدولة شعارات  "القوة" بقدر ما تم بناء “قدرة” حقيقية ، وعندما تكتمل عناصر القدرة، يصبح الاعتراف بها  " بفضل الله " نتيجة طبيعية، لا هدفًا في حد ذاته.
قيمة هذا المسار تتضاعف حين نضعه في سياقه الأوسع زمنياً، في ظل مشهد إقليمي يزداد اشتعالًا، مع تصاعد التوترات المرتبطة بحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية التي ضربت استقرار المنطقة في مقتل  ، وما فرضته من ضغوط على الاقتصاد فضلا عن ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد،  من هنا تبدو أهمية ما أنجزته مصر أكثر وضوحًا 
فالدولة التي قرأت التهديدات مبكرًا، لم تنتظر وصولها، بل تحركت لتأمين نفسها، وبناء أدوات تمنحها القدرة على الصمود والتأثير.
وفي منطقة تتآكل فيها هوامش الحركة أمام كثير من الدول، اختارت مصر مسارًا مختلفًا " التقدم  للأمام " حتي لو تحت الضغط.
تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للبناء، والفوضى المحيطة إلى مساحة لتعزيز الدور.

النتيجة اليوم ليست مجرد بنية تحتية أو أرقام، بل دولة أكثر استعدادًا للأزمات، وأكثر قدرة على حماية مصالحها بهدوء دون مزايدة ولا متاجرة ، لتثبت وجودها و حضورها كل يوم في حسابات الكبار.
وهذا، ببساطة، ما فعلته مصر

تم نسخ الرابط