عاجل

 

في طريقي إلى مستشفى المعادي العسكري رنّ هاتفي على غير المعتاد. كانت نبرة الصوت على الطرف الآخر تحمل قدرًا من الاستعجال لم أعهده وكأن شيئًا ما قد طرأ يستدعي حضوري فورًا ؛ أغلقت الهاتف ومضيت مسرعًا يسبقني إحساس غامض بأن هذه الزيارة لن تكون كسابقاتها . 
هناك حيث كان يتلقى الرئيس الراحل مبارك رعايته الطبية اعتدت أن أزوره يوميًا برفقة اللواء علي سالم مدير الشرطة الجوية الأسبق وأحد أقرب المقربين إليه منذ أيام قيادته للقوات الجوية.


وكما جرت العادة، كنا نجلس في جناحه الخاص، نتبادل أطراف الحديث ونلعب الطاولة على مهل بينما ينساب صوت التلفاز في الخلفية ؛ ويشاركنا الجلسة طبيبه الخاص الدكتور عادل تاج الدين في مشهد يغلب عليه الهدوء والألفة خاصة في ظل غياب نجلي الرئيس في هذا التوقيت لظروف كلنا نعلمها .
لكن في ذلك اليوم لم يكن كل شيء كما اعتدنا فبينما كنا منهمكين في اللعب استوقفنا ما يُعرض على الشاشة إذ ظهر الدكتور حسام بدراوي في أحد البرامج التلفزيونية علي قناة القاهرة والناس في حوار محتدم أخذ من خلاله يسرد بطولاته في هوجة يناير - أعني أحداث الخامس والعشرين من يناير المجيدة - مستعرضًا مواقفه على نحوٍ بدا لنا مفعمًا بالمبالغة والأكاذيب . 
توقّف الرئيس الراحل فجأة عن اللعب وكأن يده تجمّدت فوق رقعة الطاولة ورفع عينيه نحو الشاشة وأصغى بانتباه شديد إلى تلك الكلمات القاسية التي صدرت عن رجل كان يومًا من أعمدة الحزب الوطني !! جلسنا نرقب ملامحه فإذا بها تتبدّل تدريجيًا ويعلوها الغضب مع بعض ما قيل وكأن كل عبارة كانت تصيب موضعًا حساسًا في داخله .
ومع الخروج إلى أول فاصل ظلت عيناه معلّقتين بالشاشة في صمتٍ ثقيل ثم نطق مستنكرًا بصوتٍ يحمل دهشة ممزوجة بمرارة:
“بقى إنت يا دكتور حسام قلت لي أنا كفاية كده… وتنحّى؟!”
تدخّل اللواء علي سالم مقاطعًا في محاولة لكسر ثقل اللحظة:
“ أنا قريت الكذبة… قصدي القصة دي في كتاب صلاح منتصر الصعود والسقوط ”
فالتفت إليه الرئيس سريعًا، وقال في تعجبٍ لا يخلو من استنكار:
“كمان؟!”
تركنا الطاولة بعد ذلك، وكأن اللعب فقد معناه، وأخذنا نتابع ما تبقّى من حديث بدراوي، الذي بدا وكأنه يعيد صياغة نفسه بطلاً ثوريًا أمام أعين المشاهدين وكانت القصص متماسكة في ظاهرها جاذبة في سردها حتى إنني لم أستطع تجاهل وقعها فكتبت في اليوم التالي مقالي في “اليوم السابع” تحت عنوان: (عيب يا دكتور بدراوي).

لكن ما دفعني حقًا إلى كتابة تلك السطور، لم يكن مجرد اختلاف في الروايات بل إحساس داخلي أعمق ؛ إحساس برجل حكم مصر ثلاثين عامًا شهد خلالها كل ألوان التملق، فإذا بالقدر—وفي شهور قليلة—يكشف له الوجوه على حقيقتها ويزيح الستار عن جانبٍ قبيح لم يألفه من قبل واتصور انه لم يتصوره حتي !!
كان ذلك ظاهرًا في عينيه ؛ مزيج من الحزن والصدمة كأن شريطًا طويلًا من الذكريات يمر أمامه في هذه اللحظة ؛ شريط ممتلئًا بوجوهٍ وأصواتٍ كانت تُمجّد وتُعظّم فإذا بها الآن تنقلب وتكذب وتشمت وتحاول الوقوف علي جثته !!
كأن عينيه كانتا تنطقان بما لم يقله لسانه : 
هذه هي نفس القنوات… نفس الوجوه… نفس الصحف… التي عشت أراها تُسبّح بحمدي وتنسج حولي هالةً من المديح لسنوات وسنوات وها هي اليوم ذاتها لم يتغير فيها شيء… إلا أنا ..

المتغير الوحيد… أنني لم أعد رئيسًا للجمهورية بل أصبحت مجرد مواطن .. مواطن يواجه محاكمة !!

في تلك اللحظة بدا المشهد لي أقرب إلى نهايات المسرحيات التراجيدية الكبرى تلك التي كنا نظنها خيالًا أدبيًا محضًا… فإذا بالحياة تعيد كتابتها أمامنا بوجوه حقيقية ومشاعر أكثر قسوة ..

إنها الدنيا…

تم نسخ الرابط