عاجل

محمود بسيوني يكتب: الموقف السياسي والأفاعي الإخوانية.. خريطة الرؤوس الخفية

محمود بسيوني
محمود بسيوني

في الميثولوجيا اليونانية، لم تكن الأساطير مجرد خيال جامح يرسم صورًا مليئة بالسرديات المشوقة بشكل سيريالي، بل كانت شفرات لفهم طبيعة الأخطار حين تتجاوز شكلها الظاهر ، ومن بين تلك الشفرات، برزت أسطورة «الهيدرا»؛ الأفعى متعددة الرؤوس التي لم يكمن سرّها في عدد رؤوسها، بل في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها كلما ظن خصومها أنهم اقتربوا من القضاء عليها، كانت تقطن المستنقعات برؤوسٍ عديدة، يتوّجها رأسٌ خالد لا يموت، والأخطر أن كل رأسٍ يُقطع ينبت مكانه رأسان!
لم تكن «الهيدرا» مجرد كائنٍ أسطوري، بل تجسيدًا لفكرة أكثر عمقًا: أن بعض الكيانات لا تُهزم بالضربات المباشرة، لأنها تعيد تشكيل نفسها من داخل لحظة الاستهداف، وتزداد شراسة كلما اشتد الضغط عليها.
من الأسطورة إلى غرفة الاعترافات تجسّدت أمامي صورة الأفعى ذات الرؤوس المتعددة وأنا أتابع اعترافات الإخواني الإرهابي علي محمود محمد عبد الونيس، أحد قيادات حركة «حسم» – الذراع المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية. كشف الرجل معلوماتٍ في غاية الخطورة: الحركة تتبنى مسارًا موازيًا للعمل الإرهابي العنيف، وهو استهداف التأثير على الرأي العام وإثارة الجدل حول مؤسسات الدولة، عبر توظيف أدوات إعلامية وشبكات من الصحفيين والمراسلين هنا يكمن السم في العسل: إعلام يبدو بريئًا يدعى المهنية والبحث عن الحقيقة ، لكن أنيابه مصبوبة بسم التخريب.
معنى ذلك أننا أمام عمل إرهابي جديد ونوعي ومختلف يستخدم أدوات الإعلام والتأثير. وأننا سنكون في مواجهة حرب من نوع مختلف مع التنظيم الإرهابي، تستدعي قراءة جديدة لبنيته؛ حيث ستختفي القيادات الكبيرة، ويصبح التنظيم بأكثر من رأس خفي يستخدم الحروب النفسية، ويوظّف حالة الضجر من الأزمات المعيشية المرتبطة بالمتغيرات المتكررة في الشرق الأوسط والمؤثرة على الاقتصاد المصري.
نحن أمام «خريطة رؤوس خفية» لا تعمل بمنطق المواجهة التقليدية، بل بمنطق الانتشار وإعادة التشكل؛ حيث لا يعني سقوط رأسٍ نهاية التنظيم، بل بداية ظهور رؤوس جديدة، أكثر قدرة على التخفي وأكثر استعدادًا للعمل في الظل.
كشف الإرهابي عبد الونيس عن تورطه في أنشطة ما عُرف بـ «لجنة الإعلام والتسريبات» ، بناءً على عرض من القيادى الاخوانى عبد الفتاح عطية، والتي تولى إدارتها كل من: صهيب عبد المقصود، عبد الرحمن الشناف، عبد المجيد مشالي وهى قيادات جديدة فى التنظيم اغلبهم اولاد قيادات سابقة .
هدفت هذه اللجنة إلى: جمع معلومات وبيانات عن العاملين في مؤسسات الدولة ، إنشاء منصات إعلامية تبدو في ظاهرها داعمة للدولة، لكنها تُستخدم فعليًا لاختراق دوائر المعلومات وبث محتوى يهدف إلى زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة مع التركيز على قضايا المحبوسين لتحفيز الغضب المجتمعي والضغط على الدولة ، وبالتوازي، صدرت تعليمات للمتهم بتجنيد عناصر جديدة داخل البلاد. وتواصل مع محمود شحاتة (للاستقطاب والفرز)، ومصطفى فتحي (لتوسيع دوائر التجنيد بحكم وضعه الاجتماعي).
وكانت الحاجة ملحة لعناصر شابة جديدة من خارج الجماعة يتم توظيفها فى عمليات الذئاب المنفردة لخدمة الاخوان استدعت وجود مشروع اعلامى ستاره العمل الصحفى والاعلامى ولكن جوهرة هو الرغبة فى تجنيد المزيد من الشباب لتنفيذ عمليات ارهابية ، يمكن التنصل منهم بعد ذلك تحت زعم انهم من خارج الجماعة وادعاء المظلومية على اجهزة الامن . 
ولتنفيذ ذلك اتجت حركة حسم الارهابية الذراع العسكرى للتنظيم الاخوانى الى تأسيس كيان يحمل اسم «مؤسسة ميدان» – وُصف بأنه الذراع السياسي لحركة «حسم»، يقوده عدد من العناصر البارزة: يحيى موسى، رضا فهمي، محمد مناع (المعروف بمحمد منتصر)، محمد إلهامي، أحمد مولانا.
وكانت أهدافه بحسب اعتراف عبد الونيس هو توسيع الحاضنة الشعبية للتنظيم واستقطاب عناصر جديدة، خاصة من خارج التيارات الإسلامية و إنتاج محتوى رقمي وبرامج حوارية (بودكاست) للوصول إلى شرائح أوسع.
يقول عبد الونيس فى اعترافته نصا ان من أبرز الأحداث التي حصلت بناءً على تحركات مؤسسة ميدان، أن تواصل معي مصطفى عبد الرازق، العامل في إحدى المؤسسات الإعلامية الشهيرة بالخارج، وعرض عليَّ فكرة توحيد الجهود والتحركات الجماعية لكل المعارضة ذات الطابع الإسلامي في الخارج، بهدف تنفيذ عمليات وفعاليات سواء عسكرية أو ثورية داخل مصر. وأعطاني بالفعل تمويلًا ماديًا بهدف استقطاب وتجنيد عدد من الشباب والأفراد داخل مصر للمشاركة في الاستراتيجية الجديدة وتنفيذ عمليات داخل البلاد.
ووسط دموعه، اعترف عبد الونيس بـ «شفرة التجنيد» عبر الأدوات الإعلامية عبر ايهام الشباب أن الحرب ضد الدولة من أجل الدين، بينما الحقيقة أنها حرب على سلطة "ما تستاهلش ظفر واحد، مش دم"
تأكيد هذه المعلومات جاء من عمرو عبد الهادي، أحد الهاربين المحسوبين على الإخوان في الخارج. كشف في فيديو مصور مفاجأة من العيار الثقيل: وهى ان منصات الإخوان وأذرعها في الخارج كانت تتلقى في السابق تمويلًا إيرانيًا هدفه إسقاط الدولة المصرية.
قال عبد الهادي نصًا: "تمويل ميدان وكيان كان قادمًا من شخص إيراني اسمه حميد عظيمي، يشغل منصب مدير مركز مرصد للدراسات الاستراتيجية، وهذا التمويل قادم من الحرس الثوري حتى ان قناة الشرق التي يديرها أيمن نور تمول أيضًا من نفس المصدر، إضافة إلى تمويلات من جهات أخرى. يتعاملون بمنطق أن "البحر يحب الزيادة" ، ولا توجد مشكلة في الحصول على تمويل من جهتين حتى لو كانتا متعارضتين، مع إحاطة الأمر بالسرية" .
وأضاف: كيان ميدان اشتغل فيه 40 فردًا بخلاف الأسماء الظاهرة وان هذا التمويل حوّل يحيى موسى وزوجته هند الشافعي إلى مليونيرات. راتب معتز مطر تخطى 10 آلاف دولار (نصف مليون جنيه مصري). شفرة البث الفضائي 30 ألف دولار، ورسوم إدارية 40 ألف دولار، وحساب سفريات يتجاوز شهريًا 10 آلاف دولار.
أكد عبد الهادي ما جاء في سياق احداث مسلسل «رأس الأفعى» حول علاقة القيادي الإخواني محمد منتصر (أحد قيادات حسم) بتعاونه مع الجهات الأمنية لتسليم محمود عزت – مهندس العمليات الإرهابية داخل التنظيم.

وفضح بالأسماء قيادات إخوانية تعيش حياة رغدة في الخارج: أحمد البقري، محمد جمال هلال – يمتلكون سيارات فارهة من أموال التمويل. متوسط مصاريفهم الشهرية لا يقل عن 70-80 ألف دولار، بينما يدّعون شظف العيش.
و أثار عبد الهادي مسألة خطيرة: المنهج الإخواني في الهجوم على من ينتقد الجماعة عبر توجيه زوجات القيادات لمهاجمة المنتقدين، حتى يصبح سيف الحياء مسلطًا على الطرف الآخر في الرد وهو ما يؤكد ان التنظيم يستخدم سيدات الجماعة في معارك التجريح والتشويه وادعاء المظلومية لمن يُقبض عليه.
الأمر الأكثر خطورة: حصول كثير من قيادات الإخوان على جنسيات أخرى وتغيير أسمائهم إلى أسماء تركية!
من أبرزهم: أبو بكر خلاف الذي تحوّل إلى «أبو بكر إبراهيم أوغلو» – رئيس ما يُسمى بـ «شبكة محرري الشرق الأوسط ، هذه الشبكة هي إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم الدولي للإخوان، المشهرة في لندن، وتملك أكثر من 30 فرعًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ووفق المعلومات المتداولة ، تأسست المنظمة في بريطانيا كشركة غير ربحية (رقم 11579456 – 20 سبتمبر 2018)، ثم:

فرع في النمسا (رقم 1643702166 – 17 سبتمبر 2019) و فرع في تركيا تابع لاتحاد الجمعيات الأهلية (رقم 34-263/068 – 11 سبتمبر 2020) و فرع في تونس (نوفمبر 2020) بالاضافة الى مقرات رسمية في لندن.
يتولى الرئاسة الإخواني الأردني عاطف دلقموني (المستشار السياسي لقنوات الجزيرة). والمدير التنفيذي: أبو بكر خلاف (إبراهيم أوغلو) الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع باحثين إسرائيليين. هذه التركيبة ليست مجرد منصة تدريبية محايدة، بل إطار وظيفي مرتبط بتوجهات التنظيم الدولي.
دعت المنظمة الإخوانية المشبوهة إلى التطبيع مع دولة الاحتلال تحت شعار «صحافة وإعلام السلام بين الشعوب»، للترويج للتعايش مع إسرائيل داخل المنطقة العربية. كما ركزت على استقطاب القطاعات الشبابية عبر مظلة "أكبر تجمع مهني للصحفيين والإعلاميين في الشرق الأوسط وإفريقيا" ، وهو ما يقودنا الى مشهد التظاهر ضد مصر من قلب تل ابيب العام الماضى وهو ما يؤكد ان هناك ترتيب يجرى فى الخفاء بين اسرائيل والاخوان كلمة السر فيه تنفيذ مخطط اسرائيل الكبرى !
لم تتوقف المنظمة عن تخريب العقول الشبابية، إذ عقدت اتفاقيات مع مؤسسات أمريكية ممولة لمشاريع مناهضة للأنظمة الحاكمة، تتفق مع أدبيات الثورات الشعبية والعصيان المدني وفي مقدمة المؤسسات الممولة: الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، الذي يتبعه مجموعة من المنظمات الأمريكية التي تعمل على تغيير وإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة، ولعبت دورًا تخريبيًا خلال مرحلة أحداث "الثورات العربية" عام 2011، مثل، المعهد الأمريكي للمشاريع، ومعهد بحوث المثلث، والمعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي، والمركز الأمريكي للتضامن الدولي في العمل، وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، ومؤسسة وستمنستر للديمقراطية وقطعا كلمة السر فى الحصول على هذه القدر من التمويل من جهات امريكية واوروبية لكيان اخوانى هو خدمته لاسرائيل .

تحرك الاخوان فى الميدان الاعلامى ومن خلال مؤسسات تبحث عن مراسلين وتوظفهم امر يؤكد ان الاعلام هو أخطر ميادين الصراع غير المعلن، حيث تُدار المعارك دون دبابات، وتُحسم النتائج دون إطلاق رصاصة واحدة، وانا كثيرا من ما يُبث عبر الشاشات والمنصات الرقمية لم يعد بريئًا أو عفويًا في كثير من الأحيان، بل يدخل ضمن منظومات تأثير معقدة، تقف خلفها — بشكل مباشر أو غير مباشر — أجهزة استخبارات ودوائر نفوذ تعمل على إعادة تشكيل الوعي، لا مجرد التأثير فيه.


وفي هذا السياق، لم تعد الشائعة خبرًا كاذبًا عابرًا، بل أصبحت أداة محسوبة ضمن ما يُعرف بعمليات "التأثير المعلوماتي"، حيث يتم تصميمها بعناية، وحساب توقيت إطلاقها بدقة، وتحديد الجمهور المستهدف بها وفق حسابات نفسية واجتماعية دقيقة، بما يجعلها قادرة على اختراق المجال الإدراكي للمجتمع، وإعادة ترتيب أولوياته، بل وخلق واقع بديل يبدو — في لحظة ما — أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها.
نحن امام تحول مهم فى مسار الصراع مع الاخوان مع استخدامهم لسلاح الاعلام الرقمى، والحرب النفسية، بهدف تقويض الثقة داخل الدولة المستهدفة، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر تفكيك العلاقة بين المواطن ومؤسساته، وإرباك إدراكه للواقع، ودفعه إلى الشك في كل شيء، حتى في الحقائق الأكثر رسوخًا.
لا تستغرب ان كثر من المنصات الإعلامية تحولت — في بعض الحالات — إلى واجهات تشغيل، تُدار من خلفها شبكات تمويل معقدة، تمر عبر شركات وسيطة، أو منظمات تبدو مستقلة، بينما ترتبط في العمق بأجندات سياسية واستخباراتية ، ويتم عبر هذه المنصات إنتاج محتوى متدرج التأثير، يبدأ بالتشكيك، ويمر بإثارة الجدل، وينتهي بصناعة حالة من الاستقطاب الحاد، بحيث يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع، وفاعلًا فيه في الوقت ذاته.
وفي هذا الإطار، تتكامل أدوات الحرب الهجينة؛ فالشائعة لا تعمل وحدها، بل تتحرك ضمن منظومة تشمل حملات رقمية منظمة، وجيوشًا إلكترونية، وتسريبات موجهة، وتوظيفًا انتقائيًا للوقائع، بما يؤدي في النهاية إلى ما يمكن تسميته "تلويث المجال المعلوماتي" ، أي إغراق الفضاء العام بكم هائل من السرديات المتناقضة، بحيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
ومن هنا، لا تعود القضية مجرد مواجهة محتوى مضلل، بل مواجهة بنية كاملة لإنتاجه وتمويله وتوجيهه. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من قال؟ بل: من صاغ الرواية؟ من موّلها؟ ولماذا تُقال الآن؟
لأن أخطر ما في هذه الحروب، أنها لا تستهدف الأرض… بل تستهدف العقل أولًا.
لم يعد ما بعد اعترافات علي عبد الونيس كما كان قبلها. صحيح أننا أمام نجاح أمني كبير وضربة موجعة قامت بها اجهزتنا الامنية بتنسيق عالى المستوى للتنظيم، لكن ما تكشف لا يدعو إلى الاطمئنان بقدر ما يفرض قدرًا أعلى من اليقظة. فالمسألة لم تعد مجرد وقائع فردية تُروى، بل خريطة متكاملة لشبكة عابرة للحدود، تتحرك بمرونة بين عواصم متعددة، وتُعيد تموضعها داخل الفضاء الإعلامي الرقمي، حيث يصعب الرصد وتتعقد المواجهة.
إن الخطر لم يعد في ما ظهر… بل في ما أعاد تشكيل نفسه في الظل.
وفي هذا المشهد، لا تبدو الصورة إلا امتدادًا حيًا لأسطورة قديمة: أفاعٍ لا تموت بقطع رؤوسها، بل تتكاثر تحت الضرب، وتستمد من المواجهة قدرة جديدة على البقاء.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في إسقاط رأس… بل في تفكيك البنية التي تُنتج الرؤوس.

تم نسخ الرابط