عاجل

قصة لم تُحكَ من قبل.. كيف استقبل نجيب محفوظ جائزة مبارك؟

نجيب
نجيب

في حياة الكبار، لا تكون الجوائز مجرد أوسمة تعلق على الصدور، بل لحظات كاشفة تعيد طرح السؤال الأهم: ماذا يعني أن يعترف بك بعد أن بلغت القمة؟ هكذا تبدو علاقة نجيب محفوظ بالجوائز، كما يكشفها كتاب «نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل» للكاتب يوسف القعيد، الذي يرصد جانبًا إنسانيًا نادرًا من سيرة الأديب العالمي، ويقترب من لحظات تبدو عابرة، لكنها تحمل دلالات عميقة عن معنى المجد والاعتراف.

في واحدة من هذه اللحظات، كان نجيب محفوظ غارقًا في قيلولة هادئة بعد الغداء، حين وصله خبر فوزه بجائزة مبارك في الأدب عام 1999، جائزة النيل حاليا، مشهد يتكرر بصورة لافتة مع لحظة إعلان فوزه بجائزة نوبل عام 1988، وكأن الرجل يستقبل المجد بنفس الطقوس اليومية البسيطة، دون صخب أو استعراض، الفارق الوحيد بين الحدثين كان الزمن: أحد عشر عامًا تفصل بين الجائزتين، لكنها في الحقيقة مسافة بين دهشة الوصول وهدوء التأمل.

لقب «الرجل الساعة»

داخل منزله المطل على النيل، استقبل محفوظ الخبر بطبيعته الهادئة، محاطًا بأصدقاء وتلاميذ جاءوا للتهنئة، في أجواء تعكس شخصية رجل ظل، رغم كل ما ناله، وفيًا لانضباطه الشديد، حتى استحق لقب «الرجل الساعة».

السؤال الأكثر حساسية، الذي دار في تلك اللحظة، لم يكن عن الجائزة نفسها، بل عما بعدها: هل يمكن لأي تكريم أن يضاهي نوبل؟ لم يجب محفوظ بشكل مباشر، لكنه قدم إجابة ضمنية أكثر عمقًا، حين أعاد تعريف قيمة الجائزة، معتبرًا أن جائزة مبارك تستمد أهميتها من كونها مصرية خالصة، تمثل تقدير الوطن، وهو ما يمنحها معنى مختلفًا لا يقارن بل يفهم في سياقه.

اللافت أن محفوظ نفسه كان حريصًا على معرفة طبيعة الجائزة قبل إعلان موقفه منها، فسأل إن كانت مصرية أم عربية، وكأن انتماءها الثقافي هو ما يحدد مكانتها الحقيقية، وحين تأكد من مصريتها، بدا ذلك كافيًا ليمنحها قيمة خاصة في وجدانه.

وفي سياق حديثه، كما ينقل الكتاب، عاد محفوظ إلى بداياته، حين كان كاتبًا مغمورًا لا يقرأ له سوى القليل، مؤكدًا أن الجوائز لعبت دورًا محوريًا في دعمه آنذاك، خاصة في الأدب الذي يتأثر كثيرًا بمثل هذه التقديرات، لا سيما للكتاب الذين ينشرون أعمالهم على نفقتهم الخاصة.

نزعة إنسانية

ورغم رحلته الطويلة مع التكريمات، من «قوت القلوب الدمرداشية» إلى جوائز الدولة ثم نوبل، اعتبر محفوظ جائزة مبارك بمثابة تتويج لمسيرته، لا خاتمتها، أما عن قيمتها المادية، فقد تعامل معها بفلسفة بسيطة تعكس رؤيته للحياة، حيث فضل توزيعها على أسرته بدلًا من استثمارها في ممتلكات، مؤكدًا نزعة إنسانية تميل إلى المشاركة لا التملك.

ولم يغب عن حديثه تقدير الآخرين، إذ أشاد بزملائه من الفائزين، مؤكدًا أن الجوائز لا تمنح فقط تقديرًا، بل قد تكون دعمًا معنويًا حاسمًا، وربما «علاجًا» في بعض اللحظات، هكذا، يكشف كتاب «إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل» أن نجيب محفوظ لم يكن يرى الجوائز نهاية الطريق، بل علامة على أن الرحلة مستمرة، فالقيمة الحقيقية، كما تبدو في هذه الشهادة، ليست في عدد الجوائز، بل في القدرة على أن يظل الإنسان أكبر من كل تكريم.

تم نسخ الرابط