عاجل

بعد تخطيه الـ 54 جنيها.. خبراء: الاقتصاد المصري أمام اختبار حقيقي (تقرير)

سعر الدولار
سعر الدولار

وسط مشهد عالمي متقلب، تجاوز سعر صرف الدولار حاجز الـ 54 جنيهاً، ليضع الاقتصاد المصري أمام اختبار حقيقي للمرونة المالية والاقتصادية.

ارتفاع سعر صرف الدولار

ولم يعد ارتفاع الدولار مجرد رقم على شاشات التداول، بل أصبح انعكاساً للتحديات الهيكلية التي تواجه ميزان المدفوعات، وتكاليف الإنتاج المحلي، وضغوط الاستيراد في ظل أزمات الطاقة والغذاء العالمية. 

وتفتح هذه القفزة التساؤل عن قدرة الاقتصاد المصري على التكيف، سواء عبر زيادة الموارد النقدية أو تطوير الصناعات المحلية لتقليل الاعتماد على الواردات، مع ما يترتب على ذلك من تأثير مباشر على الاستثمار، أسعار السلع، وسلاسل التوريد.

التطورات الجيوسياسية

قال الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، إن ارتفاع سعر الدولار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياقين الإقليمي والعالمي، حيث تلعب التطورات الجيوسياسية دورًا محوريًا في هذا الصدد، فاستمرار التوترات، وعلى رأسها الحرب في المنطقة، عزز من توجه المستثمرين نحو الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، بالتوازي مع ارتفاع تكلفة الواردات، لا سيما الطاقة ومدخلات الإنتاج.

وأضاف الإدريسي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن بعض مصادر النقد الأجنبي تأثرت بشكل غير مباشر، مثل إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة، وهو ما ساهم في زيادة الضغوط على العملة المحلية.

التحوط ضد تقلبات سعر الصرف

وعلى الصعيد المحلي، أوضح الإدريسي أن الطلب على الدولار لا يزال مرتفعًا، سواء من جانب المستوردين لتلبية احتياجاتهم، أو من قبل المستثمرين الراغبين في التحوط ضد تقلبات سعر الصرف وفي المقابل، ورغم تحسن التدفقات الدولارية خلال الفترات الماضية، فإن الفجوة بين العرض والطلب لم تُغلق بالكامل، الأمر الذي ينعكس في استمرار الضغوط على الجنيه.

وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي، أشار إلى أن الصورة تحمل جانبين؛ فمن ناحية، قد يشكل ارتفاع سعر الدولار فرصة لجذب بعض الاستثمارات الأجنبية، خاصة في القطاعات الإنتاجية، حيث تنخفض التكلفة النسبية للاستثمار عند تحويل العملات الأجنبية إلى الجنيه. ومن ناحية أخرى، فإن حالة عدم اليقين وتقلبات سعر الصرف قد تدفع بعض المستثمرين، خاصة في الاستثمارات قصيرة الأجل أو ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"، إلى التريث لحين اتضاح الرؤية.

حدوث أزمة حادة في توافر الدولار

وأكد الإدريسي أنه من غير المرجح حدوث أزمة حادة في توافر الدولار بالمفهوم التقليدي، في ظل تحركات الدولة لتأمين موارد النقد الأجنبي عبر الاتفاقيات الدولية، وجذب الاستثمارات، وترشيد الواردات. لكنه لفت إلى احتمال استمرار حالة "الضغط النسبي"، بما يعني إعطاء الأولوية لتوفير الدولار للسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج على حساب الواردات غير الضرورية.

وفيما يخص التوقعات المستقبلية، رجح استمرار تحرك سعر الدولار في نطاق تصاعدي محدود في حال استمرار التوترات، ليتراوح بين 55 و60 جنيهًا، خاصة مع احتمالات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا واستمرار الضغوط على مصادر النقد الأجنبي. أما في حال حدوث تهدئة، فقد نشهد استقرارًا نسبيًا أو تراجعًا محدودًا في السعر.

الاقتصاد المصري يواجه اختباراً حقيقياً نتيجة ارتفاع سعر الصرف

قال الدكتور عز حسانين، الخبير المصرفي، إن الاقتصاد المصري يواجه اختباراً حقيقياً نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار في ظل مشهد عالمي غير مستقر، إذ تجاوز الدولار حاجز الـ 54 جنيهاً، مؤكداً أن هذا الرقم ليس مجرد حركة في شاشات التداول، بل انعكاس لعمق التحديات التي تواجه ميزان المدفوعات وتكلفة الإنتاج المحلي.

وأضاف حسانين، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن السؤال الجوهري المطروح هو: هل تكمن المشكلة فقط في توفر العملة الصعبة، أم في القدرة التقنية على إحلال الواردات وتوطين المعرفة؟ موضحاً أن المرحلة الراهنة تتطلب استراتيجية صناعية تكنولوجية لتقليل التبعية للاستيراد وكسر حلقة الأزمات النقدية.

أسباب ارتفاع الدولار وتأثيراته

أوضح الخبير المصرفي أن وصول سعر الصرف إلى مستويات 53-54 جنيهاً جاء نتيجة ضغوط هيكلية وفنية متعددة، منها:

تضرر الموارد السيادية: اضطراب عوائد السياحة وقناة السويس، وتوقع انخفاض تحويلات المصريين بالخارج نتيجة اضطراب أسواق الخليج.

فاتورة الطاقة والغذاء: كل زيادة 10 دولارات في برميل النفط تضيف نحو 40-50 مليار جنيه للموازنة، فيما يضغط ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً على استيراد الحبوب الأساسية.

تخارج الأموال الساخنة: تقديرات بتخارج استثمارات أجنبية غير مباشرة تتراوح بين 6 و8 مليارات دولار نحو الملاذات الآمنة.

سلوك المستوردين: تكوين مخزونات استراتيجية من السلع والخدمات تحسباً لارتفاع الأسعار مستقبلاً.

سياسات البنك المركزي: اتباع آليات السوق في تحديد سعر الصرف، مع حصر تدخل البنك في الظروف الاستثنائية فقط، بعيداً عن القروض الخارجية.

تأثير ارتفاع الدولار على الاستثمار الأجنبي

أشار حسانين إلى أن ارتفاع الدولار له تأثير مزدوج على المستثمرين:

المستثمرون الحاليون: زيادة تكلفة استيراد المواد الخام والآلات، مما يقلص هوامش الربح في القطاعات الصناعية.

المستثمرون المحتملون: انخفاض قيمة الجنيه يجعل الأصول المصرية مثل الشركات والعقارات أرخص بالعملة الصعبة، ما قد يشجع صفقات استحواذ ضمن برامج الخصخصة، بشرط استقرار سعر الصرف لضمان سهولة تحويل الأرباح لاحقاً.

الاحتياطي النقدي واستقرار السوق

طمأن حسانين أن البنك المركزي يمتلك احتياطياً قوياً بنحو 52 مليار دولار، مما يمنحه قدرة على المناورة لتلبية احتياجات الحكومة والسوق من الدولار، رغم الضغوط الناتجة عن تخارج الأموال الساخنة وارتفاع فاتورة الطاقة، مع استمرار المخاوف من تصاعد أسعار النفط في حال استمرار الأزمة في الشرق الأوسط.

السيناريوهات المحتملة لسعر الصرف

حدد الخبير المصرفي ثلاثة سيناريوهات تحكم تحركات الدولار خلال الفترة المقبلة:

الاستنزاف المنضبط (الأكثر احتمالاً): استمرار التراشقات العسكرية دون مواجهة شاملة، مع تحرك الدولار بين 53 و55 جنيهاً.

الصدمة الكبرى: في حال التصعيد الشامل وإغلاق مضيق هرمز بالكامل، قد يصل الدولار إلى 60 جنيهاً، مع ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً، ورفع الفائدة الحكومية فوق 30%.

التعافي المشروط: حل دبلوماسي قبل نهاية النصف الأول من 2026، يعيد الجنيه لمستويات 48-50 جنيهاً ويستعيد الثقة في السياحة وقناة السويس.

الصناعة المحلية: الحلقة الأضعف والأقوى

أكد حسانين أن الصناعات الثقيلة والتكنولوجية تتأثر سلباً بسبب ارتفاع تكلفة المكون الأجنبي وصعوبة الحصول عليه، بينما تزداد الفرص أمام الصناعات الغذائية والاستهلاكية التي تعتمد على مكونات محلية، مع استفادة الصادرات المصرية من انخفاض قيمة الجنيه.

وأضاف أن الميزة التنافسية التي يوفرها انخفاض العملة ستظل محدودة ما لم تدعمها قاعدة تكنولوجية محلية قوية، داعياً إلى الانتقال من سياسة "إدارة الأزمات" إلى نهج "الاستباق الهيكلي" عبر استثمار الصدمة السعرية لتوطين الصناعة وبناء مجمعات متخصصة

تم نسخ الرابط