براجماتي بامتياز وانعزالي بقناعة
لماذا تريد إيران نائب دونالد ترامب على طاولة المفاوضات ؟
مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لأكثر من ثلاثة أسابيع متواصلة، وامتدادها لتطال دولا عديدة في المنطقة، بدأت تلوح في الأفق بعض بوادر الأمل نحو وقف هذا النزيف الدامي.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأجيل ضربات عسكرية كان قد هدد بشنها على منشآت الطاقة الإيرانية، في حال أبقت طهران على إغلاق مضيق هرمز، مؤكدا أن بلاده تجري حاليا محادثات وصفها بأنها "جيدة وبناءة" مع الجانب الإيراني.
غير أن طهران لم تبد ترحيبا مفتوحا بهذه الخطوة، إذ جاء ردها مزيجا من النفي والتحفظ ووضع الشروط، على الرغم من الضربات الموجعة التي تتلقاها منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
والأكثر إثارة للاهتمام أن طهران اشترطت أن يكون نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس هو من يقود أي جولة مفاوضات مرتقبة، رافضة الجلوس مع المبعوثين المعتادين، فما الذي يجعل فانس الخيار المفضل لدى الإيرانيين في هذه اللحظة الحرجة؟
أزمة ثقة عميقة مع مبعوثي ترمب
تكشف التقارير الإخبارية، ومنها ما نشره موقع أكسيوس، أن المسؤولين الإيرانيين فقدوا ثقتهم كليا بمبعوثي ترمب المعتادين على ملف الشرق الأوسط، وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وقد رفض المسؤولون الإيرانيون رفضا قاطعا العودة إلى طاولة المفاوضات مع هذين الرجلين، متهمين إياهما بـ"طعن إيران في الظهر" خلال جولات التفاوض السابقة.
وتصف طهران كوشنر وويتكوف بأنهما "الوجه المخادع" لإدارة ترمب، فقد كان لهما دور محوري في هندسة "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، كما أدارا جولات تفاوض متعددة مع الجانب الإيراني، كان آخرها في مدينة جنيف في يونيو الماضي.
وقد انتهت تلك الجولة بصدمة كبرى لطهران، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مفاجئة عليها بدلا من الوصول إلى اتفاق سلام، وهو ما تعتبره إيران خيانة صريحة لمسار التفاوض برمته.
رجل من خارج دائرة الصقور
يتمتع فانس بميزة جوهرية تميزه عن غيره داخل الإدارة الأمريكية، وهي أنه لا ينتمي إلى تيار "الصقور" المتشددين الذين يدفعون نحو التصعيد العسكري.
فبحسب ما أورده الكاتب الصحفي جيمس بول في مقاله المنشور بصحيفة "ذا نيو وورلد"، فإن فانس عارض الحرب منذ بدايتها خلف الكواليس، ويُعرف عنه معارضته الراسخة لما يسميه "المغامرات الأمريكية خلف البحار"، ورفضه لدور أمريكا بوصفها "شرطي العالم".
ويشير محللون إلى أن فانس يؤمن إيمانا راسخا بأن هذا الدور الأمريكي التقليدي قد ولى زمنه، وأن على واشنطن أن تُركز على مصالحها القومية المباشرة بدلا من الانزلاق إلى حروب لا تعود عليها بطائل.
وهذه القناعة تمنحه هامشا أوسع من المرونة في التفاوض وتقديم تنازلات، لا سيما تلك التي تستهدف الانسحاب العسكري وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة.
هذه اللغة تحديدا هي ما تفهمه طهران جيدا، وترى فيها بارقة أمل للتوصل إلى اتفاق لا يقوم على رغبة واشنطن في "تغيير النظام" الإيراني، بل على معادلة براغماتية تُؤمن مصالح الطرفين.
براجماتي بامتياز.. وانعزالي بقناعة
يُصنف المحللون فانس ضمن تيار "الانعزالية الأمريكية"، أي التيار الذي يرى أن على الولايات المتحدة أن تنأى بنفسها عن الصراعات الخارجية وتتجنب التورط فيها، وهذا التوجه يجعله في موقع مختلف جذريا عن المتشددين داخل الإدارة الذين يرون في القوة العسكرية أداةً أولى للسياسة الخارجية.
وبحسب ما أورده بول في مقاله، الذي عنونه بعبارة لافتة هي "العالم يحتاج إلى جيه دي فانس الآن"، فإن فانس يمثل أداةً براجماتية ظهرت في لحظة عجز فيها الجميع عن فتح أي ثغرة في جدار الأزمة.
وما يجعله فريدا في هذه اللحظة أنه يجمع بين أمرين نادرا ما يجتمعان في شخص واحد داخل البيت الأبيض، وهو الولاء الكامل لترمب من جهة، والواقعية السياسية البعيدة عن الأيديولوجيا من جهة أخرى، وهذا المزيج تحديدا هو ما يجعله، وفق المقال، "الشخصية الوحيدة القادرة على التحرك في مساحة بالغة الحساسية والتعقيد".
الطموح الرئاسي.. الدافع الأقوى
غير أن ثمة دافعا آخر، ربما يكون الأقوى وراء انخراط فانس في مسار التفاوض، يتمثل في مستقبله السياسي الشخصي، فهو يدرك أن طموحه للترشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2028 بات مهددا بشكل مباشر جراء هذه الحرب واستمرارها.
فقاعدة حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، التي يستمد منها فانس رصيده السياسي، تكنّ نفوراً عميقاً من أي تورط أمريكي في صراعات خارجية، فضلاً عن أن الناخبين الأمريكيين بوجه عام يرفضون الأزمات الاقتصادية التي تُفضي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما تسببه الحروب في الغالب.
وعلى الرغم من معارضته السرية للحرب، يظل فانس جزءا لا يتجزأ من الإدارة التي أشعلتها، مما يجعله في موقف بالغ الحرج، وما لم تتحول تداعيات هذه الحرب إلى مجرد "عثرة منسية" بحلول موسم الانتخابات التمهيدية الذي يبدأ عام 2027، فإن حظوظه في الوصول إلى البيت الأبيض رئيسا ستتضاءل بشكل كبير.
واختتم الكاتب جيمس بول تحليله بعبارة جوهرية، إذ يقول إن "فانس بحاجة لإنهاء هذه الحرب بدافع المصلحة الذاتية الصرفة"، مشيرا إلى أنه لم يكن ليُقدم على دخول مسار التفاوض لو لم يكن مقتنعا بأن لديه فرصة حقيقية وجدية لإيقاف الحرب.



