وعندما مضى بنا الزمان أدركنا أننا أخطأنا خطأً كبيرا عندما تمنينا أن نكبر ونحن صغارا .. نعم كنا مخطئين جدا لأننا تمنينا التعب بكامل ارادتنا ، كانت قمة أمانينا أن نكبر ونحن بين أهلنا مرفهين ، تمنينا أن نكبر لغباء فينا تمنينا من خلاله أن نكبر حتى نستطيع أن نعتمد على أنفسنا وكانت حينها قمة أمانينا أن نتمكن من الوصول الى الرف العلوى من غير مساعدة أو إلحاح منا لمن حولنا بأن يأتوا لنا بأشياء فى هذا الرف صعب المنال لحجمنا وطولنا وسننا ، فتمنينا أن نكبر ونشب وتطول قامتنا ولكننا لم نكن نعلم أن الكبر هو أسوأ أمانينا وهو صخرة تحول بينا انطلاقنا وتألقنا . وهانحن كبرنا وتغير كل شىء حولنا وصرنا نستطيع أن نصل الى الرف العلوى ونقلبه رأسا على عقب ، ولكن مع هذا الوصول وهذا الكبر تغيرت ملامحنا وتبدلت أحوالنا . لم يكن مجرد رف ولم يكن مجرد كبر بل كانت سارينة انذار إن صح تسمية "الكبر " ففيها فقدنا الغوالي من أب وأم وإخوة وإنضم إليهم صبى من الأبناء ، وصلنا الى الرف العلوى واقتطع من قلوبنا شرايين وصمامات آمان . الرف العلوى أصبح سهل الوصول اليه ولكن النزول منه صار ثقيلا متعبا مرهقا ، الخطوات صارت مكبلة ، الطريق وإن كان قصيرا الا أنه مجهدا محفوفا بالالام والمتاعب . الرف لم يعد مستعصيا ولكن النظر اليه أصبح مشوشا وحركة اليد نحوه صارت صعبة ومرهقة ، الرف لم يعد هو الهدف الان بل أصبح مجرد مكان نمر عليه ونتطلع فيما حوله لنكتشف أننا لم نعد كما كنا ؛ فكل شىء أصبح رفا ليس علويا ولا سفليا بل صار نفسيا ، مخاوف الفقد صارت رفا يكشر لنا عن أنيابه بين الحين والاخر ويغافلنا ويختطف جزءا من عمرنا وكرياتنا وحياتنا كلها . الوهن الجسدي والضعف الجسمانى صار رفا كبيرا يذكرنا بأن الغد لن يكون مريحا ولا آمنا . الرف النفسى غلظ واستغلظ وصار محاطا بالقلق والرعب من كل شىء وأى شىء . الرف المجتمعى هو الاخر اصبح مثل الخيالات التى تخاف منها ولاتدرك مغزاها ، فقد أصبح المجتمع مركب يحمل كل السلبيات والمخاوف ويجبرك جبرا على الاستسلام والتقوقع داخل هذا الرف لأن مجرد اظهار المقاومة سيجعل منك مارقا أو متخلفا ورجعيا .. الحياة برمتها صارت رفا علويا وسلفيا وجانبيا وأفقيا ، هذه الحياة هى التى كنت تتمنى ان تكبر فيها حتى تصبح معتمدا على نفسك قادرا على كل مافيها وهاهى تقهرك وتجعلك ضعيفا منتظرا رحمة من حولك ومساعدتهم لكى تستطيع أن تفعل أشياء كانت من بساطتها فى قوتك وعنفوانك تقوم بها بأطراف أقدامك ؛ أما الان فقد أصبحت أنت بحاجة لمن يمد لك يد العون كى تستطيع فقط مد يديك لتناول أبسط هذه الأشياء وأقلها قيمة . الرف العلوى خدعنا ونحن صغارا ودمرنا فى كبرنا وجعلنا نندم على ماتمنياه صغارا ولكننا لم نكن ندرك أن الكبر عبر كما يقول أصحاب العقل والحكمة ، والآن علينا أن نطلب من الرف العلوى أن يسامحنا ويعلم أننا أخطأنا عندما تمنينا أن نكبر حتى نصل إليه لأننا لم نكن نعلم أن وصولنا اليه يقربنا من الوصول الى القبر وطى ورقة الحياة.. اللهم لاتستجب دعاء من يريد أن يصل الى الرف العلوى وتعيدنا الى مرحلة ماقبل الدعاء والاستجابة !!!؟