الاكتفاء بنصف نصر يعادل الهزيمة وهذا مايبدو مؤخرا في الحروب الاخيره بالمنطقة
و في ظل غياب أهداف واضحة لتلك الحروب فهناك قصف متكرر بلا نهاية، أو حرباً مفتوحة زمنياً ولكل طرف استراتيجية ولهذا تعتمد الأطراف الأضعف علي مايسمي بالحرب بالنقاط و هي جوهر الحرب غير المتكافئة الراهنة وهذا النمط من الصراع لا يهدف إلى تحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما يسعى إلى إطالة أمد المواجهة واستنزاف الخصم تدريجياً، فبدلاً من الحسم السريع، يتم التركيز على إضعاف الإرادة السياسية للطرف الآخر، وخلق بيئة معقدة يصعب فيها تحقيق انتصار واضح، و يمكن القول إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يمثل نموذجاً متقدماً للحروب غير المتكافئة ، حيث تتقابل قوة عظمى تعتمد على التفوق الشامل مع فاعل إقليمي يوظف استراتيجيات بديلة لتعويض فجوة القوة. وبين منطق الهيمنة ومنطق الاستنزاف، يستمر هذا الصراع في إطار التوازن الهش، دون حسم نهائي، ليعكس بوضوح طبيعة التحولات في الحروب الحديثة وتعقيداتها. فقد بُنيت الجيوش الحديثة على أساس مواجهة جيوش نظاميّة أخرى، أو على أساس خوض الحرب بين جيوش ودول متكافئة نسبيًّا. إلا أنّ الحروب اليوم لم تعد تقع وفق هذا النموذج، فهي حروب بلا ميدان عسكريّ أو نمط محدد اضافة
لغياب أهداف واضحة للحرب، يبدو أن الإدارة استقرت على ما يعرف بسياسة “جز العشب”؛ وهي استراتيجية تقوم على توجيه ضربات دورية للقدرات العسكرية الإيرانية دون السعي إلى نتيجة حاسمة.وهذه المقاربة تعني عملياً قصفاً متكرراً بلا نهاية، أو حرباً مفتوحة زمنياً بالنسبة للولايات المتحدة.ورتنطلق ايران من إدراك واقعي لطبيعة هذا الاختلال في ميزان القوى، إذ تدرك أنها غير قادرة على خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة بحجم الولايات المتحدة لذلك، تتبنى استراتيجية بديلة تقوم على تجنب الصدام المباشر مع مركز القوة، والعمل بدلاً من ذلك على استهداف نقاط الضعف في بنية الخصم، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية. في اعتماد أدوات الحرب غير المتكافئة، التي تتسم بالمرونة وانخفاض الكلفة مقارنة بالحروب التقليدية، ومن أبرز هذه الأدوات: توسيع دائرة الحرب، وإدارة الحروب بالوكالة، واستخدام أساليب الضغط غير المباشر، إضافة إلى توظيف الجغرافيا السياسية في مناطق النفوذ لتحقيق مكاسب استراتيجية، وبهذا النهج، تسعى إيران إلى خلق حالة من الردع غير المتكافئ، تجعل تكلفة المواجهة بالنسبة للخصم مرتفعة وغير مضمونة النتائج.وخير مثال قريب لذلك هي حرب الإبادة الاسرائيلية في غزة فبعد أن وضعت الحرب في غزة أوزارها أخيرًا، تقف إسرائيل أمام معادلة صعبة: نصر عسكري صريح، تقابله هزيمة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة. إسرائيل “انتصرت في المعارك، لكنها لم تنتصر في الحرب ذلك أن تحويل الانتصار العسكري إلى إنجاز سياسي يتطلب رؤية تتجاوز منطق القوة. وفي كثير من معارك التاريخ الكبرى، كانت خسائر الطرف المنتصر أكبر بما لا يقاس إلى الطرف المهزوم، روسيا الستالينية ـ مثلا ـ كسبت الحرب ضد جيوش النازي، رغم أن روسيا خسرت 20 مليون قتيل، وقد حسب النصر لروسيا لأنها أرغمت جيوش هتلر النازية على الانسحاب، وكذلك جرى في غزة، فقد أرغم الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من أراضي احتلها في غزة، وبدت نهاية الحرب الدموية لافته وموحية لقد خسرت إسرائيل حرب المعلومات والدبلوماسية معًا؛ فصورتها التي روجت لها كـ “دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها” لم تصمد أمام صورة واحدة لطفل فلسطيني جائع في غزة. وتراجع رصيدها ا السياسي والأخلاقي مع استمرار الصراع، ثم واجهت إسرائيل قضية في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية، وأصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرة قبض بحق رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق، فيما ازدادت عزلتها في محيطها الإقليمي والدولي بعد أن أضحت الدولة العبرية الجهة المزعزعة لاستقرار المنطقة …إسرائيل» اليوم، وبعد هذا التوحش علي كل الجبهات مأزومة ومهزومة ومنقسمة ولا تعرف كيف تصرف فائض القوة التدميرية الذي تحوزه. …جبهتها الداخلية مهلهلة، والمستقبل ليس في صالحها، وهي إن لم تستطع تصفية القضية الفلسطينية وإسقاط النظام الإيراني في تلك الحروب و تجبر مقاومي غزة وحلفاءهم على رفع الراية البيضاء، فهي تخسر الحرب. ساستها يدركون ذلك جيدا، لذلك ثمة طريقين أمام «إسرائيل»: الهزيمة الكاملة، أو النصر الكامل، لا يوجد نصف نصر ولا نصف هزيمة، وستكون الهزيمة باستكمال حرب الاستنزاف من نصيبهم. هم لن يستطيعوا الصمود طويلا، ذلك ان الإنجاز في صنع حالة مناوئة للعدوّ الأقوى في بيئة يتحكّم فيها بالكامل، ثمّ القدرة على تجديد هذه الحالة، هو نتيجة رفض الهزيمة، وعدم التسليم بحتميّتها. القضية هنا نفسيّة بالدرجة الأولى، والناجي من الحتمية الإسرائيلية المزعومة هو منتصر بالضرورة،