دقيقة بدقيقة.. ماذا يحدث إذا تم ضرب مفاعل ديمونا النووي في إسرائيل؟
يتصاعد القلق في أوساط الخبراء والمختصين إزاء سيناريو بات يُطرح بجدية في النقاشات الاستراتيجية، ماذا لو تعرض المفاعل النووي الإسرائيلي قرب مدينة ديمونا لضربة مباشرة؟
قصف إيران، أمس السبت، مدينة ديمونا في إسرائيل، على بُعد 15 كيلومتر فقط من المفاعل النووي، وذك ردا على ضرب مفاعل نطنز الإيراني.
بحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، لا يكمن الخطر الحقيقي في الدمار المادي للموقع وحده، بل في شيء أشد هولا وأبعد أثرا، انطلاق مواد مشعة غير مرئية إلى الهواء والتربة والماء، لتبدأ رحلتها الصامتة داخل أجساد البشر.

العدو الذي لن نراه
حين يتسرب الإشعاع المؤين إلى الجو، لا يحدث صوتا ولا رائحة ولا لونا، بل يدخل الجسم عبر التنفس أو الجلد أو الطعام والشراب الملوث، ثم يبدأ عمله التدميري على المستوى الجزيئي الأدق.
على مستوى الخلية، يستهدف الإشعاع الحمض النووي "DNA"، إما بضرب مباشر يكسر الروابط الكيميائية التي تحمل الشيفرة الوراثية، أو بطريقة غير مباشرة عبر توليد ما يُعرف بـ"الجذور الحرة"، وهي جزيئات شديدة النشاط تُحدث ما يسمى الإجهاد التأكسدي، فتلحق أضرارا واسعة بداخل الخلايا.
في ظروف التعرض المعتدل، يملك الجسم آليات إصلاح طبيعية تستطيع تدارك جزء من هذا الضرر، لكن حين تتجاوز الجرعة الإشعاعية حدا معينا، تنهار هذه الآليات، وتتوقف الخلايا عن الانقسام بشكل سليم، ويبدأ الكثير منها بالخضوع لما يُسميه علماء الأحياء "الاستماتة"، أي الموت الخلوي المبرمج.

دقيقة بدقيقة.. ماذا يحدث للجسم؟
في اللحظات الأولى التي يتعرض فيها الإنسان لجرعة إشعاعية عالية، قد لا يشعر بشيء على الإطلاق، وهذا هو أشد ما يميز الإشعاع خطورة، وهو الضرر الكبير يقع في صمت تام، بينما لا يزال الضحية يشعر بأنه بخير.
على المستوى الجزيئي، تتكسر الروابط الكيميائية داخل الخلايا، ويبدأ الجهاز الدفاعي للجسم بالتلقي ضربات متتالية لا يستطيع في الوقت ذاته رؤيتها أو الاستجابة لها.
في غضون دقائق إلى ساعات، تبدأ العلامات بالظهور تدريجيا، وتختلف حدتها تبعا لمقدار الجرعة الإشعاعية التي تلقاها الجسم، حيث يبدأ المصاب بالشعور بغثيان حاد وقيء متكرر، يعقبهما إرهاق شديد ودوار، وقد يفقد شهيته كليا، مع آلام حادة في البطن.
تُشير هذه الأعراض، حين تظهر مبكرا وبهذه الحدة، إلى أن الضرر قد طال الأنسجة التي تنقسم بسرعة في الجسم، وفي أشد الحالات خطورة، إلى أن الجهاز العصبي المركزي بات هو الآخر في مرمى التلف.

وبعد ساعات، وعلى سطح الجسم، تبدأ تداعيات مرئية بالظهور، حيث يُصاب الجلد باحمرار حاد، ثم بتقرحات وحروق إشعاعية تبدو للوهلة الأولى مشابهة للحروق الحرارية، غير أنها أعمق وأشد إيلاما، وغالبا ما تكون أصعب علاجا.
وفي الوقت الذي تبدو فيه بعض الأعراض ظاهرة على السطح، تدور معركة أخطر في عمق الجسم، حيث تبدأ خلايا الدم البيضاء، التي تمثل الجيش الدفاعي للجسم ضد الجراثيم والعدوى، بالتساقط بأعداد كبيرة.
ما يجعل الأمر أشد خطورة هو أن نخاع العظم، المصنع الرئيسي لخلايا الدم الجديدة، قد يكون هو نفسه قد تضرر بشدة لدرجة تجعله عاجزا عن تعويض ما فُقد، والنتيجة جسم يصبح شبه أعزل أمام أبسط الجراثيم التي كان يتعامل معها في الأوقات العادية بكل يسر.

وتزداد المعادلة سوءا حين يبدأ عدد الصفائح الدموية بالانخفاض هو الآخر، فترتفع مخاطر النزيف الداخلي الذي قد يصبح غير قابل للسيطرة.
وفي الحالات الشديدة، تتدهور صورة المريض بشكل حاد مع مرور الأيا، وقد تظهر أعراض عصبية تشمل الارتباك وصعوبة التركيز، وقد تصل إلى نوبات صرع وفقدان الوعي.
في الوقت ذاته، يبدأ الجهاز الهضمي بالانهيار، ثم تتساقط الخلايا المبطنة للمعدة والأمعاء، وتتشكل تقرحات مفتوحة تتيح للبكتيريا الانتقال مباشرة إلى مجرى الدم، ويواجه الجسم إسهالا دموما وجفافا حادا وفقدانا سريعا للوزن، فضلا عن عدوى واسعة عاجز جهازه المناعي المنهك عن صدها.
يقدر الخبراء أن الانتشار الجغرافي للمواد المشعة في حال وقوع مثل هذا الحادث سيكون رهينا إلى حد بعيد باتجاه الرياح السائدة فوق صحراء النقب.

الرياح الشمالية الغربية المعتادة في المنطقة قادرة على دفع سحابة مشعة نحو وادي عربة ومنه باتجاه الأردن، لكن تغير اتجاه الرياح قد يعيد توجيه هذه المواد الخطرة نحو مدينة بئر السبع والتجمعات السكنية المحيطة بها، مما يضاعف من تعقيد إدارة الأزمة.
سيقع على عاتق منظومة الرعاية الصحية في جنوب إسرائيل عبء استثنائي لم يسبق له مثيل، مركز سوروكا الطبي في بئر السبع، أكبر مستشفيات المنطقة، سيجد نفسه أمام معضلة مزدوجة، وهي استيعاب آلاف المصابين من ناحية، والحفاظ على سلامة فريقه الطبي الذي يشكل شريان الحياة للعمليات الإنقاذية من ناحية أخرى.
أما إجلاء المصابين إلى مستشفيات وسط إسرائيل، فسيكون عملية بالغة التعقيد، إذ يستلزم المرور عبر مناطق قد تكون هي ذاتها ملوثة، مما يجعل الاعتماد على طائرات الهليكوبتر وسيارات الإسعاف المجهزة بوحدات عناية مركزة خيارا لا غنى عنه.

أسلحة الطب في مواجهة الإشعاع
من الإجراءات الفورية التي قد تنقذ الناس من أحد أخطر التداعيات طويلة الأمد، تناول يوديد البوتاسيوم، المعروف في إسرائيل بمحلول لوغول.
الغدة الدرقية تمتص اليود بطبيعتها، وحين يكون اليود في الجو مشعا، فإن امتصاصها له يرفع بشكل حاد من خطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية لاحقا، تناول يوديد البوتاسيوم في الوقت المناسب يشبع الغدة الدرقية باليود المستقر الآمن، ويقلل بذلك من قدرتها على امتصاص اليود المشع القادم من الخارج.
غير أن هذا العلاج لا يحمي سوى الغدة الدرقية، ولا يقي بقية أعضاء الجسم من الأضرار الإشعاعية.

على صعيد التكنولوجيا الطبية، طوّرت شركة "بلوري" الإسرائيلية، المعروفة سابقا بـ"بلوريستيم"، علاجا خلويا مبتكرا يسمى PLX-R18، مصمما خصيصا لمواجهة متلازمة الإشعاع الحادة.
يعتمد هذا العلاج على خلايا مستخرجة من المشيمة البشرية، وقد صمم لتحفيز تعافي نخاع العظم ودعم إنتاج خلايا الدم الجديدة من بيضاء وحمراء وصفائح دموية، وما يجعله لافتا أنه يمكن إعطاؤه حتى 96 ساعة بعد التعرض للإشعاع، وهي نافزة زمنية أوسع مما يُتاح في كثير من حالات الطوارئ، وقد أظهرت الدراسات ما قبل السريرية نتائج واعدة في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة.

ما الذي ينبغي فعله؟
يؤكد المتخصصون في إدارة الطوارئ أن ثمة خطوتين حاسمتين يمكن لعامة الناس اتخاذهما في مثل هذا السيناريو، وهما ليستا مجرد توصيات، بل قد تكونان الفارق بين الحياة والموت.
الأولى هي البقاء داخل المباني المغلقة فور الإعلان عن خطر إشعاعي، فالجدران الصلبة تقلل بشكل ملموس من التعرض للإشعاع الخارجي، وتحول دون استنشاق الجسيمات المشعة التي قد تكون في الهواء.
أما الثانية فهي الالتزام التام بتعليمات قيادة الجبهة الداخلية التي تمتلك البروتوكولات اللازمة للتعامل مع هذا النوع من الأزمات، والتي تشكل حجر الزاوية في خطط الطوارئ الإسرائيلية التي تتضمن منذ سنوات سيناريوهات مشابهة.

الاستعداد أفضل وسيلة للمواجهة
لا تزال المعرفة الطبية المتراكمة على مدى عقود، منذ كوارث هيروشيما وناجازاكي وتشيرنوبيل وفوكوشيما، تمنح الأطباء فهما أعمق لما يجري داخل الجسم عقب التعرض للإشعاع، وتمكنهم من تصميم بروتوكولات علاجية أكثر فاعلية.
الجمع بين الاستعداد الطبي المتقدم، والانضباط المدني، والامتثال لإرشادات الطوارئ، يبقى الإطار الأمثل لمواجهة سيناريو بالغ الخطورة، في حادثة يكون فيها لكل دقيقة ثمنها الحقيقي.



