عاجل

لم تعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، حتى 21 مارس 2026، مجرد حملة عسكرية محدودة الأهداف أو ضربة ردعية قابلة للاحتواء، بل تحولت إلى لحظة إقليمية فارقة تعيد تعريف خرائط الردع والتحالف والخصومة في الشرق الأوسط. فبعد قرابة ثلاثة أسابيع من القتال، ومع تعثر مساعي وقف النار، وتعزيز واشنطن حضورها العسكري عبر إرسال قوات إضافية، وارتفاع كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، بات واضحًا أن ما يجري لم يعد معركة بين طرفين فحسب، بل صراعًا مفتوحًا على شكل الإقليم نفسه، وعلى من يمتلك حق فرض قواعده الأمنية الجديدة. والمؤشر الأوضح على ذلك أن الحرب لم تعد تُقرأ فقط من منظور الصواريخ والقواعد العسكرية، بل أيضًا من منظور الممرات البحرية والطاقة والرموز الدينية والشرعية السياسية. 
في جوهرها، تكشف هذه الحرب عن سعي أمريكي-إسرائيلي إلى ما هو أبعد من مجرد إضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. فالتصريحات الأمريكية التي تربط نهاية الحرب بتجريد إيران من قدرتها العسكرية أو بإنهاء قدرة قيادتها على إدارة الصراع، إلى جانب الضربات الواسعة داخل إيران، توحي بأن الهدف الفعلي هو إعادة إنتاج ميزان قوى جديد يُخرج طهران من موقع “الدولة المركزية في محور المقاومة” إلى موقع الدولة المُنهكة التي تُدار أزماتها من الخارج أكثر مما تصنع هي مساراتها. وفي هذا المعنى، لا تبدو الحرب مجرد رد على سلوك إيراني، بل محاولة لفرض بيئة استراتيجية جديدة يكون فيها النفوذ الإيراني مكلفًا إلى حد لا يعود معه قابلًا للاستمرار بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين. 
غير أن الحروب الكبرى، خاصة في الشرق الأوسط، نادرًا ما تسير وفق خطط واضعيها وحدهم. فمنذ الأيام الأولى، خرج الصراع من المجال الإيراني-الإسرائيلي المباشر إلى فضاء إقليمي أوسع: ضربات على منشآت الطاقة، هجمات على الملاحة، استهدافات متبادلة قرب القواعد والممرات الحيوية، وانخراط أطراف حليفة لطهران في لبنان والعراق، مع بقاء اليمن على حافة الدخول الكامل رغم امتلاكه القدرة على ضرب الجوار الخليجي وتعطيل الملاحة حول شبه الجزيرة العربية. وقد كشفت التطورات أن اتساع الحرب لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر حلقات متتالية: ضربة تولّد ردًا، والرد يستدعي توسيعًا، والتوسيع يخلق واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه من دون كلفة ردعية باهظة على أحد الطرفين. هكذا تُسحب المنطقة تدريجيًا إلى حرب إقليمية حتى لو لم يعلن أحد رسميًا أنه يريدها بهذا الحجم. 
والأخطر أن هذه الحرب تُدار فوق خزان الطاقة العالمي، لا على هامشه. فإسرائيل ضربت حقل بارس الجنوبي الإيراني، وهو مركز رئيسي في معادلة الغاز الإقليمية، وأعقب ذلك تصعيد أصاب منشآت طاقة في الخليج، بينما باتت حركة الشحن عبر مضيق هرمز شبه مشلولة، وتعرضت ناقلات وسفن لهجمات أو “وقائع مشبوهة”، وقفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. كما تعطلت صادرات عراقية رئيسية ودخلت شركات وأسواق ومطارات وشبكات طيران في موجة ارتباك عالمية. ولهذا فإن قراءة الحرب باعتبارها نزاعًا عسكريًا فقط تقصير تحليلي؛ فهي في الحقيقة حرب على أعصاب الاقتصاد الدولي، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى ثقة العالم في بقاء الخليج ممرًا آمنًا للطاقة والتجارة. كلما طال أمدها، تحولت من معركة شرق أوسطية إلى أزمة نظام عالمي مصغّرة. 
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو العواصم الكبرى قلقة، لكنها عاجزة عن فرض نهاية سريعة للصراع. فروسيا دعت علنًا الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف الحرب والعودة إلى التفاوض، فيما شددت الصين على أن الحرب “التي ما زالت تتسع” تضر بالطاقة والشحن والتجارة، وأن “الحرب الجائرة يجب ألا تستمر”، بينما قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن هذه حرب “أسهل في بدئها من وقفها”، وحذرت من أنها قد تتسبب في أزمات غذاء وأسمدة وطاقة إذا ظل مضيق هرمز معطلًا. هذه المواقف تعني أن العالم لا ينظر إلى الصراع باعتباره حادثًا محليًا، بل باعتباره مفصلًا قد يعيد صياغة أولويات الأمن والاقتصاد الدولي معًا. لكنها تكشف أيضًا حدود الإرادة الدولية: الجميع يريد وقف الحرب، ولا أحد يملك حتى الآن آلية حاسمة لإجبار أطرافها على ذلك. 
في هذا السياق، لا يصبح سؤال القدس والمقدسات سؤالًا دينيًا فحسب، بل سؤالًا استراتيجيًا من الدرجة الأولى. فالقدس ليست مجرد جغرافيا رمزية في الوعي العربي والإسلامي، بل هي نقطة التقاء بين الشرعية الدينية، والهوية الوطنية الفلسطينية، والوصاية الأردنية، والذاكرة الإسلامية الجامعة. وما هو موثق علنًا حتى الآن يتمثل في إغلاق الأقصى وفرض قيود على الوصول إليه خلال الحرب، وتحذيرات رسمية عربية وإسلامية من المساس بوضعه التاريخي والقانوني، إضافة إلى سقوط شظايا من صواريخ إيرانية واعتراضات إسرائيلية حول البلدة القديمة وبعض أكثر المواقع قداسة للمسلمين والمسيحيين واليهود. هذا يعني أن المقدسات لم تعد بعيدة عن ميدان النار، حتى لو لم يثبت علنًا وجود قرار معلن بضربها مباشرة. ومن هنا، فإن مجرد اقتراب الحرب من الأقصى يرفع منسوب الخطر من مستوى “الاستفزاز السياسي” إلى مستوى “الانفجار الحضاري”. 
وتكمن الخطورة هنا في أن الأقصى، بخلاف كثير من الأهداف الأخرى، لا يُقاس بمنطق العائد العسكري المباشر. فالمساس به — سواء بضربة مباشرة، أو بعمل أمني واسع، أو بحريق، أو بانهيار جزئي، أو حتى بواقعة تُفهم في وعي الجماهير باعتبارها اعتداءً متعمدًا — لن يُستقبل كحدث عسكري تقني، بل ككسر لخط أحمر ديني وتاريخي. والبيانات الرسمية الصادرة عن تركيا ومصر والأردن وقطر والسعودية والإمارات وإندونيسيا وباكستان، وكذلك عن منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، كانت قد اعتبرت أصلًا أن إغلاق الأقصى وانتهاك وضعه القائم يشكل استفزازًا لمشاعر المسلمين وتهديدًا للسلم والأمن الإقليميين والدوليين. فإذا كانت هذه هي لغة التحذير تجاه الإغلاق والقيود، فإن المساس المادي بالمكان نفسه سيدفع الخطاب من خانة الإدانة إلى خانة الأزمة الكبرى التي يصعب على أي دولة إسلامية أو عربية التعامل معها ببرود أو بصمت. 
وعليه، فإن ترتيب ما سيحدث إذا وقع استهداف مباشر أو ضرر جسيم للأقصى يمكن قراءته، تحليليًا، على أربع دوائر متداخلة. الدائرة الأولى ستكون فلسطينية داخلية وفورية: القدس ستنفجر أولًا، ثم الضفة الغربية، ثم يمتد الارتجاج إلى الداخل الفلسطيني وإلى المخيمات ومجال التعبئة الشعبية العربي الأوسع. ذلك لأن القضية ستتحول خلال ساعات من حرب على إيران إلى حرب على الإسلام السياسي والوجداني في نظر قطاعات واسعة من الناس، وليس فقط في خطاب الفصائل. وفي لحظة كهذه، تتراجع التعقيدات السياسية الدقيقة، وتتصدر لغة “الدفاع عن المقدس” المجال العام، بما يرفع احتمالات الهبات الشعبية والمواجهات واسعة النطاق ويفتح بابًا جديدًا لتجنيد الغضب العابر للحدود. وهذا استنتاج تدعمه طبيعة التحذيرات الرسمية الحالية التي تربط أصلًا بين المساس بالوضع القائم وبين تهديد الاستقرار الإقليمي والدولي. 
أما الدائرة الثانية فستكون عربية وإسلامية رسمية، وفي قلبها الأردن على وجه الخصوص. فالبيانات الرسمية الأخيرة شددت بوضوح على أن إدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه من اختصاص دائرة الأوقاف الأردنية، وأن إسرائيل لا سيادة لها على القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. لذلك فإن أي ضرر جسيم بالأقصى لن يُقرأ فقط كاعتداء على الفلسطينيين، بل أيضًا كإهانة مباشرة للوصاية الأردنية وللمنظومة العربية والإسلامية التي أكدت تمسكها بالوضع التاريخي والقانوني القائم. وهنا سيصبح من المرجح جدًا انعقاد قمم طارئة عربية وإسلامية، وتصاعد الضغوط الداخلية على الحكومات لاتخاذ مواقف أشد، وارتفاع تكلفة الاستمرار في أي صيغ تعاون أو تهدئة لا تترافق مع رد سياسي واضح. قد تختلف الأدوات بين دولة وأخرى، لكن مساحة المناورة ستضيق بشدة. 
ثم تأتي الدائرة الثالثة، وهي الأخطر عسكريًا: تحويل المساس بالأقصى إلى مظلة تعبئة شاملة لمحور القوى المسلحة المتحالفة مع إيران. فالحرب الحالية شهدت بالفعل انخراط قوى حليفة لطهران في لبنان والعراق، بينما بقي الحوثيون خارج التدخل الكامل رغم امتلاكهم القدرة. وإذا كان الدفاع عن إيران يتيح لهذه القوى هامشًا تعبويًا محدودًا بحسابات السياسة والمصلحة، فإن “الدفاع عن الأقصى” يمنحها شرعية رمزية أوسع بكثير في الشارع العربي والإسلامي. عندئذٍ قد تنتقل الحرب من منطق “إسناد إيران” إلى منطق “الرد على تدنيس المقدس”، وهو خطاب أكثر قابلية للتوسع والتعبئة، وأكثر صعوبة في الاحتواء الدبلوماسي. في تلك اللحظة، قد تصبح الجبهات اللبنانية والعراقية واليمنية مرشحة لتصعيد أشد، ليس لأن التوازن العسكري يضمن النصر، بل لأن الرمزية الدينية تغيّر قواعد الحشد وتخفض كلفة المخاطرة السياسية بالنسبة إلى الفاعلين المسلحين. وهذا استنتاج مدعوم بواقع أن بعض هذه الساحات منخرطة بالفعل في الحرب، أو تقف على حافتها المباشرة. 
الدائرة الرابعة ستكون خليجية ودولية. فالحرب الحالية دفعت أصلًا دول الخليج إلى مواقف شديدة الحساسية بين الرغبة في منع التوسع، والخشية من أن تتحول أراضيها وقواعدها إلى منصات أو أهداف. وقد أظهرت الوقائع أن إيران استهدفت دولًا خليجية تستضيف قواعد أمريكية، وأن الرياض حذرت طهران من مواصلة استهداف المملكة والجوار، فيما دعت أبوظبي إلى التهدئة والعودة إلى التفاوض. لكن المساس بالأقصى سيجعل إدارة التوازن أكثر صعوبة؛ إذ ستتعمق الضغوط الشعبية والإعلامية والدينية، في الوقت الذي ستزداد فيه الحاجة الأمنية إلى الحماية الأمريكية. هنا يظهر التناقض الأكبر: كلما ارتفع الغضب الشعبي، ازداد الارتباط الأمني القسري، وكلما ازداد الارتباط الأمني، تعمق الانطباع بأن المنطقة كلها تُساق إلى حرب لا تملك زمامها الكامل. والنتيجة شبه المؤكدة ستكون مزيدًا من الاضطراب في الطاقة والشحن والتأمين والاستثمار، مع اتساع الفجوة بين ضرورات الأمن وشرعية السياسة. 
في المقابل، ستواجه واشنطن المأزق الأصعب. فهي اليوم تمسك بزمام التصعيد العسكري لكنها لا تملك بعدُ نهاية مقنعة للحرب، كما أن الرأي العام الأمريكي لا يبدو مهيأً لتورط بري واسع في إيران. وإذا أضيف إلى مشهد الحرب عنصر ديني انفجاري بحجم الأقصى، فستصبح الإدارة الأمريكية أمام معادلة شديدة التعقيد: هل تواصل دعمها المفتوح لإسرائيل مهما بلغت كلفة الغضب العالمي والإسلامي، أم تضغط لوقف الحرب خشية انهيار ما تبقى من شبكة التحالفات الإقليمية والمصالح الاقتصادية؟ هذه ليست مسألة أخلاقية فقط، بل اختبار لقدرة القوة الأمريكية على إدارة أزمة مركبة تجمع بين الحرب التقليدية، والطاقة، والممرات البحرية، والشرعية الدولية، والتعبئة الدينية العابرة للحدود. وفي اللحظات من هذا النوع، لا يُقاس النجاح بعدد الأهداف التي ضُربت، بل بعدد الجبهات التي أمكن منعها من الانفجار. 
أما إسرائيل، فإنها قد ترى في استمرار الضغط على إيران فرصة تاريخية لتغيير قواعد الاشتباك في الإقليم، لكنها تخاطر في الوقت ذاته بالانتقال من حرب ضد خصم استراتيجي إلى حرب ضد المجالين الرمزي والديني معًا. وهذا انتقال بالغ الخطورة. فإيران، مهما اتسعت شبكتها، تبقى في الوعي العربي والإسلامي دولة ذات موقع سياسي قابل للنقاش والاختلاف. أما الأقصى فليس كذلك. المساس به لا يعيد فقط توحيد القضية الفلسطينية في مركز الوعي، بل يعيد أيضًا توحيد خصومات متفرقة تحت راية واحدة. ولذلك، فإن الضربة التي قد تبدو تكتيكيًا عابرة، أو حتى حادثًا أمنيًا محدودًا، قد تصبح استراتيجيًا نقطة تحول تفقد بعدها الحرب حدودها الأصلية وتدخل طور “الحرب على المعنى” لا “الحرب على الهدف”. وعندما تُفتح هذه المرحلة، يصبح وقف التصعيد أصعب بكثير من بدءه. 
الخلاصة أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم تعد اليوم مجرد صدام بين قوة عظمى وقوة إقليمية، بل مشروع تفكيك وإعادة تركيب للإقليم يُدار بالنار والردع والاقتصاد والرمز الديني في آن واحد. وما دام القتال مستمرًا، والملاحة مضطربة، والطاقة مضغوطة، والدبلوماسية عاجزة عن فرض تسوية، فإن اتساع الرقعة يظل الاحتمال الأكثر واقعية، لا الاستثناء. أما ملف المقدسات الإسلامية، وخصوصًا الأقصى، فهو النقطة التي قد تنقل الصراع من مستوى الحرب الإقليمية الخطيرة إلى مستوى الزلزال السياسي والحضاري المفتوح. ولهذا بالذات، فإن أخطر ما في المرحلة ليس فقط ما وقع بالفعل، بل ما يمكن أن يقع إذا استمرت الأطراف في اختبار الخطوط الحمراء واحدًا بعد آخر. الشرق الأوسط يعرف كيف تبدأ الحرائق، لكنه نادرًا ما يمنح أحدًا امتياز التحكم في نهاياتها. 

تم نسخ الرابط