في خضمّ موجة من التوترات الإقليمية المعقدة، وتوقيت حساس يتزامن مع حلول عيد الفطر المبارك، جاءت الزيارة المفاجئة والسريعة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، لتؤكد حقيقة راسخة في معادلة الأمن الإقليمي؛ وهي أن مصر لم تعد مجرد لاعب إقليمي عادي، بل هي "صمام الأمان" و"حجر الزاوية" في أي معادلة استقرار بالشرق الأوسط.
إن التحرك الرئاسي السريع والمكثف، الذي جمع بين عاصمتي الخليج في بضع ساعات، لا ينبغي قراءته على أنه مجرد زيارة بروتوكولية أو مجاملة عيد، بل هو تحرك استراتيجي من الطراز الرفيع، يعكس عمق الرؤية المصرية للتعامل مع الأزمات، ويضع في صلب اهتماماته "عقيدة الأمن القومي المصري" التي توسعت لتشمل العمق الخليجي كجزء لا يتجزأ من الجسد الأمني المصري.
النقطة الأبرز في تصريحات الرئيس السيسي خلال لقاءاته مع قيادتي الإمارات وقطر، هي التأكيد القاطع على أن "الأمن القومي لدول الخليج العربي يعد امتدادا للأمن القومي المصري"، هذه العبارة ليست شعارا إعلاميا، بل هي تحول جوهري في الدبلوماسية المصرية، فمصر هنا تنتقل من دور "الداعم السياسي" إلى دور "الشريك في المصير"، مما يرسل رسالة واضحة للأطراف المعادية بأن أي مساس بأمن الخليج هو مساس مباشر بالأمن المصري، وبالتالي فإن الرد سيكون بمقدار الخطر وبكافة الأشكال المتاحة.
هذا الربط الاستراتيجي يعيد إحياء مفهوم "الأمن القومي العربي الجماعي" الذي طالما نادى به المفكرون الاستراتيجيون، ويجعله واقعا ملموسا على الأرض، حيث تقف مصر بكل ثقلها العسكري والسياسي والدبلوماسي خلف أشقائها في مجلس التعاون الخليجي.
لم تكتفِ الزيارة بتأكيد أواصر الأخوة، بل حملت في طياتها جهدا دبلوماسيا مكثفا كشف عنه الرئيس السيسي، مشيرا إلى أن مصر نقلت للجانب الإيراني "رسالة واضحة" بوقف الاعتداءات غير المبررة، و هذا الدور يضع مصر في موقع "الوسيط الحازم" الذي لا يكتفي بالدعوة للهدوء، بل يحدد خطوطا حمراء ويوصل رسائل مباشرة لأطراف الأزمة.
إن قدرة مصر على التواصل مع كافة الأطراف، وحثها على العودة للمسار التفاوضي وفقا لميثاق الأمم المتحدة، يؤكد أن القاهرة تمتلك مفاتيح الحل الإقليمي، وأنها الوحيدة القادرة على الجمع بين "الحزم في المبدأ" و"المرونة في الآلية"، مصر تقول للعالم إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من التصعيد، بل تحتاج إلى حكمة الأبناء لحماية مقدرات الشعوب.
من الدلالات الهامة للزيارة أيضا، هي الجمع بين الإمارتين وقطر في جولة واحدة وبذلك ترسخ مصر مبدأ "البيت الخليجي الواحد"، وتعمل على رص الصفوف الداخلية أمام التحديات الخارجية، و تنسيق الجهود بين القاهرة وأبوظبي والدوحة، كما أكد الزعماء في لقاءاتهم، يخلق جبهة عربية موحدة يصعب اختراقها، ويعزز من قدرة الدول العربية على إدارة أزماتها بنفسها دون وصاية خارجية.
إن زيارة الرئيس السيسي للإمارات وقطر، تعود بسلامة الله إلى أرض الوطن، تترك وراءها إرثا دبلوماسيا وسياسيا ثقيلا، و قد أثبتت هذه التحركات أن مصر بقيادة السيسي تستعيد دورها الطبيعي كقائدة للعمل العربي المشترك، وكحامية للاستقرار الإقليمي.
اليوم، لم تعد مصر تطلب الأمان من أحد، بل هي من تمنح الأمان لأشقائها، وهذا التحول في موازين القوى الناعمة والدبلوماسية، هو الضمانة الحقيقية لمستقبل أكثر استقرارا لمنطقتنا، وهو ما يعكس نضجا سياسيا عاليا لإدارة الدولة المصرية في التعامل مع الملفات الساخنة، وزيارة اليوم تأكيد علي أن الأمن العربي يبدأ من القاهرة،و أن القاهرة حاضرة بقوة حين يحتاجها الأشقاء.