نداء من أورشليم في زمن الحرب: قادة مسيحيون يدعون لصناعة السلام
في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، تسببت شظايا صاروخ باليستي إيراني، في 16 مارس 2026، في إلحاق أضرار بجزء من السقف المحيط بـ كنيسة القيامة بمدينة القدس، أحد أقدس المواقع المسيحية في العالم، والذي يضم القبر المقدس للسيد المسيح.
وتُظهر القبة التي تعلو القبر مشهدًا رمزيًا لافتًا، حيث تتسلل أشعة الشمس من فتحتها، في دلالة روحية على الرجاء والانتصار على الموت، وهو ما اعتبره مراقبون تذكيرًا يوميًا برسالة القيامة، التي تدعو إلى النهوض من الألم واليأس نحو حياة جديدة يسودها السلام.
رسالة السلام
في هذا السياق، وجه الدكتور القس جاك سارة، رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس، نداء رعويًا دعا فيه إلى التمسك بالسلام في مواجهة واقع الحرب، مؤكدًا أن المنطقة التي شهدت ميلاد رسالة السلام لا تزال تعيش تحت وطأة الصراع.
وأوضح سارة، الذي وُلد ونشأ في البلدة القديمة بالقدس، أن لغة الحرب أصبحت أكثر حضورًا من لغة السلام، رغم الجذور الروحية التي تدعو إلى المحبة والمصالحة.
وأضاف سارة خلال تصريحات صحفية له، اليوم الخميس، أن الحروب المتكررة خلّفت آثارًا عميقة في حياة الشعوب، حيث تتجدد دوائر العنف بشكل مستمر، مخلفة جراحًا متزايدة في الحاضر والمستقبل.
وأشار إلى أن تقبّل الحرب كواقع طبيعي يمثل خطرًا كبيرًا، مؤكدًا أنها قد تبدو أمرًا معتادًا، لكنها لا يجب أن تصبح مقبولة بأي حال من الأحوال.
تساؤلات حول مستقبل الأجيال القادمة
وتحدث سارة من منطلق إنساني وشخصي، مشيرًا إلى مخاوفه كأب بشأن مستقبل أطفاله، متسائلًا عمّا إذا كانوا سينشأون في بيئة يسودها السلام، أم سيحملون نفس المخاوف التي عانى منها جيله.
كما لفت إلى أنه، بصفته راعيًا دينيًا، يرى في أعين أبناء كنيسته مزيجًا من الإيمان العميق والقلق الصامت، بينما يحمل، كرئيس لمؤسسة تعليمية، آمال الشباب الذين يتطلعون إلى حياة كريمة تتجاوز مجرد البقاء، وتسعى نحو الكرامة والهدف ومستقبل خالٍ من الحروب.
وأكد أنه يعيش بين واقعين متناقضين: واقع الألم المستمر، ورؤية السلام التي يؤمن بأنها من الله، مشددًا على رفضه لفكرة أن العنف هو المصير المحتوم، لأن الإنسان خُلق ليحيا في سلام لا في صراع.
الحرب أزمة روحية وإنسانية شاملة
ووصف سارة الحرب بأنها ليست مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل أزمة روحية عميقة تمس جوهر الإنسانية، موضحًا أنها لا تميز بين بريء ومذنب، ولا ترحم الأطفال أو كبار السن، كما لا تحترم البيوت أو الأماكن المقدسة.
وأضاف أن انتشار صور العنف وأصوات الحرب في الحياة اليومية، سواء عبر وسائل الإعلام أو في الواقع، يفرض تساؤلات جوهرية حول الموقف الأخلاقي والإنساني تجاه هذه الأحداث، مؤكدًا أن الصمت في مواجهة المعاناة لا يمكن اعتباره حيادًا، بل يُعد نوعًا من التواطؤ.
أربع خطوات لمواجهة واقع الحرب
ودعا سارة إلى تبني مجموعة من الخطوات العملية لمواجهة تداعيات الحرب، تبدأ بالصلاة من أجل السلام والحماية، وكذلك من أجل القادة وصناع القرار، حتى يتحلوا بالحكمة والشجاعة لاختيار طريق السلام.
كما شدد على أهمية التعبير عن المواقف بوضوح، ورفض الصمت أمام الظلم، إلى جانب تبني نمط حياة يقوم على الغفران بدل الانتقام، والحوار بدل الانقسام، والمحبة بدل الخوف.
واختتم بدعوة إلى التمسك بالرجاء، مؤكدًا أن الأمل الحقيقي لا يرتبط بالأنظمة السياسية أو التحولات الدولية، بل بالإيمان بالله الذي «يصنع كل شيء جديدًا»، في إشارة إلى وعد روحي بمستقبل مختلف.
دعوة لصناعة السلام في عالم مضطرب
وفي ختام بيانه، شدد رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس على ضرورة أن يكون المؤمنون، وسائر البشر، صانعي سلام في عالم تمزقه الحروب، داعيًا إلى ترسيخ قيم العدالة والكرامة والاعتراف المتبادل، كطريق نحو سلام حقيقي ودائم.