عاجل

لم تعد منطقة القرن الإفريقي مجرد جغرافيا تقع على أطراف القارة، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى واحدة من أكثر المناطق ازدحامًا بالقواعد العسكرية الأجنبية في العالم. فالموقع الاستراتيجي الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي ويشرف على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، جعل هذه المنطقة نقطة جذب للقوى الدولية الباحثة عن النفوذ والأمن والمصالح الاقتصادية في آن واحد.
تقع هذه المنطقة على مقربة من مضيق باب المندب الذي يمر عبره ما يقرب من 12% من التجارة العالمية ونحو 6 ملايين برميل نفط يوميًا، وهو ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر كفيلًا بإرباك حركة التجارة الدولية. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الدول المطلة على هذا المضيق إلى مواقع استراتيجية تتنافس عليها القوى الكبرى لتأمين وجود عسكري دائم.
في قلب هذا السباق تقف دولة جيبوتي  الصغيرة، التي أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أكثر الدول استضافة للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم. فعلى مساحة لا تتجاوز 23 ألف كيلومتر مربع تستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لعدة قوى دولية، أبرزها القاعدة الأمريكية في Camp Lemonnier التي تعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في أفريقيا ويعمل بها نحو 4000 جندي أمريكي، وتستخدم كمنصة رئيسية لعمليات مكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا واليمن.
إلى جانب الولايات المتحدة، تمتلك فرنسا  أيضًا قاعدة عسكرية كبيرة في جيبوتي تضم ما يقرب من 1500 جندي، وهي من أقدم القواعد العسكرية في المنطقة. كما افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في العالم في جيبوتي عام 2017، في خطوة اعتبرها كثير من المحللين تحولًا مهمًا في الاستراتيجية العسكرية الصينية، خاصة أن القاعدة تقع على بعد كيلومترات قليلة فقط من القواعد الأمريكية والفرنسية.
ولا يتوقف الأمر عند هذه القوى، إذ تمتلك اليابان قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ عام 2011 لدعم عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن، كما تحتفظ إيطاليا بوجود عسكري في المنطقة ضمن بعثات الاتحاد الأوروبي. وبهذا أصبحت جيبوتي وحدها تضم أكثر من ست قواعد عسكرية أجنبية، وهو رقم غير مسبوق لدولة صغيرة بهذا الحجم.
لكن السباق العسكري لا يقتصر على جيبوتي فقط. فدولة اريتريا شهدت خلال السنوات الماضية تحركات عسكرية إقليمية، خاصة مع استخدام بعض موانئها في عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب في اليمن، بينما تحولت الصومال إلى ساحة وجود عسكري دولي واسع لمكافحة الجماعات المتطرفة، حيث تحتفظ تركيا بأكبر قاعدة تدريب عسكري لها خارج حدودها في العاصمة مقديشو .
هذا الوجود العسكري الكثيف يعكس في جوهره صراع نفوذ عالمي يتجاوز حدود القرن الإفريقي نفسه. فالقوى الكبرى تدرك أن السيطرة على هذه المنطقة تعني عمليًا القدرة على مراقبة أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إضافة إلى القرب من مناطق صراعات ساخنة في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا. كما أن الموقع الجغرافي للمنطقة يجعلها نقطة انطلاق مثالية للعمليات العسكرية واللوجستية في عدة مناطق تمتد من الخليج العربي إلى وسط أفريقيا.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث أمنية إلى أن القرن الإفريقي والبحر الأحمر شهدا خلال العقد الماضي زيادة ملحوظة في عدد القواعد العسكرية الأجنبية، حيث ارتفع عدد المنشآت العسكرية الدولية في المنطقة إلى أكثر من 15 منشأة عسكرية بين قواعد ومرافق لوجستية. هذا التوسع يعكس تحول المنطقة إلى ما يشبه مركزًا عسكريًا عالميًا مفتوحًا للقوى الكبرى.
غير أن هذا التزاحم العسكري يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في المنطقة. فوجود هذا العدد الكبير من القوى العسكرية المختلفة في مساحة جغرافية محدودة قد يحول القرن الإفريقي إلى ساحة تنافس جيوسياسي دائم، خاصة مع تزايد التوترات الدولية واحتدام الصراعات على النفوذ في أفريقيا.
وهكذا يبدو القرن الإفريقي اليوم وكأنه يقف عند مفترق طرق تاريخي. فمن ناحية يوفر هذا الوجود العسكري فرصًا اقتصادية لبعض الدول الصغيرة التي تستفيد من تأجير الأراضي للقواعد الأجنبية، لكنه من ناحية أخرى يعكس تحول المنطقة إلى نقطة ارتكاز في صراع النفوذ العالمي. وبين المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية يتشكل واقع جديد يجعل القرن الإفريقي واحدًا من أكثر المناطق حساسية في معادلة الأمن الدولي خلال السنوات القادمة
 

تم نسخ الرابط