ما يسقط في إيران اليوم قد لا يكون نظامًا فقط… بل فكرة!
فالدول لا تنهار دائمًا تحت ضربات الخارج، بل كثيرًا ما تسقط تحت ثقل الأفكار التي قامت عليها.
فبعيدًا عن الضجيج اليومي للضربات العسكرية والمفاوضات المتقطعة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يطل بُعدٌ أعمق في المشهد؛ بُعد يتجاوز الأخبار العاجلة إلى سؤال فكري وسياسي ظل حاضرًا في تاريخ المنطقة لعقود طويلة، فخلف الدخان المتصاعد من ساحات الصراع تتكشف ملامح أزمة مشروع كامل قام على فكرة أن الدين يمكن أن يتحول إلى دولة، وأن العقيدة يمكن أن تصبح نظام حكم، وأن الثورة الدينية قادرة على إعادة صياغة المجتمع والسياسة معًا.
ومن هذه الزاوية، يبدو ما يجري اليوم أقرب إلى لحظة اختبار قاسية لمشروع الدولة الدينية الذي تشكلت بعض ملامحه النظرية في كتابات سيد قطب، قبل أن يجد تجسيده الأكثر وضوحًا في الجمهورية التي أقامها روح الله الخميني بعد ثورة 1979.
ذلك المشروع الذي وعد بإقامة دولة العقيدة والعدالة والتحرر من الهيمنة انتهى عمليًا إلى رهن بلد بحجم وتاريخ إيران لفكرة مجموعة من المتشددين، لم يرفضوا توظيف مشروعهم لسنوات طويلة في صراعات إقليمية ودولية، قبل أن يجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة ضغوط هائلة تتجاوز حدود إيران نفسها، وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل يستحق بقاء أي نظام حكم كل هذا القدر من الدمار الذي يلحق بالدولة والمجتمع؟!
فكرة الدولة الدينية لم تولد في فراغ، ولم تكن حكرًا على تجربة أو مذهب بعينه، فمنذ منتصف القرن العشرين تشكل في العالم الإسلامي تيار فكري واسع رأى أن أزمة المجتمعات المسلمة لا تكمن في السياسة أو الاقتصاد فقط، بل في ابتعاد الدولة عن المرجعية الدينية.
في هذا السياق برزت كتابات حسن البنا التي طرحت الإسلام باعتباره نظامًا شاملًا للحياة، ثم جاءت صياغات أكثر حدة مع سيد قطب الذي تحدث عن مفهوم «الحاكمية» وضرورة إعادة بناء المجتمع على أساس عقائدي تقوده طليعة مؤمنة.
وفي المقابل، وفي التوقيت نفسه تقريبًا، كان مشروع آخر يتشكل في المنطقة حين طرح تيودور هرتزل فكرة إقامة دولة لليهود عبر الاستيلاء على فلسطين، مستندًا إلى روايات دينية تتحدث عن «مملكة إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات.
ولم تمض سنوات طويلة حتى وجدت هذه الأفكار صداها في بيئة مختلفة مذهبيًا لكنها متقاربة سياسيًا، حين حوّل الخميني فكرة القيادة الدينية إلى نظام حكم كامل عبر نظرية «ولاية الفقيه». وهكذا وُلدت لأول مرة في العصر الحديث دولة تعلن صراحة أنها دولة العقيدة والثورة معًا، ومنذ تلك اللحظة لم تعد الدولة الدينية مجرد فكرة أو شعار، بل أصبحت تجربة سياسية حية تخضع لاختبارات السلطة والاقتصاد والجغرافيا والصراع الدولي.
الا ان الدولة التي تُبنى على فكرة عقائدية مغلقة غالبًا ما تدخل، عند لحظة أزمتها، في مواجهة صفرية مع العالم وتهدد محيطها الإقليمي كله. فهي لا ترى في الصراع مجرد تنافس سياسي، بل معركة وجودية بين مشروعين متناقضين. وعند هذه النقطة يصبح من السهل أن تُدفع الدولة كلها إلى حافة الانهيار، وأن لا تحرق نفسها بل كل من حولها تاركه الاقتصاد العالمي يواجه موجات جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار.
اللحظة التي يعيشها هذا المشروع اليوم تحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد متابعة صراع بين نظام يقاوم وضغوط داخلية و خارجية تتصاعد، فالتدخل الخارجي لا يحدث عادة إلا حين تتكاثر الشروخ داخل بنية نظام هش، والنظام الذي يقوم أساسًا على تقديس فرد أو مؤسسة دينية يظل معرضًا دائمًا لمثل هذه الشروخ، خصوصًا عندما يجد نفسه مضطرًا لإدارة دولة حديثة داخل نظام دولي يقوم على المؤسسات والقانون.
فالدولة الحديثة تقوم على فكرة المواطن، بينما تقوم الدولة العقائدية على فكرة المؤمن ، وفكرة الدولة العقائدية ذات الصبغة الطائفية، ليست بعيدة عن التصورات التي تبنتها جماعات الإسلام السياسي. ففي هذه الدولة تصبح الجماعة أو القيادة العقائدية مصدر الشرعية السياسية، لا الإرادة الشعبية ولا المؤسسات الدستورية.
وما يجري في إيران اليوم يذكرنا بما كان يمكن أن تواجهه دول أخرى لو نجحت مشاريع الحكم الديني في ترسيخ نفسها داخل الدولة الوطنية، فالحكم العقائدي بطبيعته يحول الدولة إلى أداة لخدمة مشروع أيديولوجي، لا مشروع تنمية مجتمع.
والمفارقة أن فكرة الدولة العقائدية لا تقتصر على تجربة واحدة في المنطقة، بل تظهر بأشكال مختلفة لدى مشاريع سياسية متباينة ظاهريًا، لكنها تشترك جميعًا في نقطة واحدة: تحويل العقيدة إلى مصدر مباشر للشرعية السياسية.
وإذا كانت إيران تقدم نموذج الدولة الدينية الشيعية، فإن إسرائيل تقدم نموذجًا آخر للدولة التي تستند جزئيًا إلى مرجعية دينية في مشروعها السياسي، حيث لعبت أفكار مثل «أرض الميعاد» و«إسرائيل الكبرى» دورًا في تشكيل بعض التيارات السياسية داخلها.
لكن الصراع بين هذه المشاريع العقائدية لا يبقى داخل حدود السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة. فكل تصعيد في الخليج أو الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما تتحمل كلفته في النهاية شعوب المنطقة والدول النامية.
إن الشرق الأوسط يبدو اليوم وكأنه عالق بين مشاريع دينية متصارعة، وكل مشروع منها يضع العقيدة فوق السياسة، والتفسير الأيديولوجي فوق قواعد القانون الدولي.
غير أن التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن الدول التي تنجح في البقاء والاستقرار هي تلك التي تفصل بين المجالين: مجال الإيمان الذي يبقى قيمة روحية في المجتمع، ومجال الدولة الذي يُدار عبر المؤسسات والقانون.
أما الدول التي تصر على تحويل الدين إلى نظام حكم سياسي، فقد تبدو في لحظة ما قوية ومتماسكة، لكنها تكتشف في النهاية أنها نسجت حول نفسها شبكة من الأوهام، شبكة لا تختلف كثيرًا عن بيت العنكبوت.