عاجل

عبد الرحمن السميط: إمبراطور الخير الذي هزم الجوع بسجدة وفتح إفريقيا بـ"مغرفة"

عبد الرحمن السميط
عبد الرحمن السميط

في تاريخ الأمم رجالٌ يُقاسون بالمناصب، ورجالٌ يُقاسون بالثروات، لكن الدكتور عبد الرحمن السميط كان يُقاس بـ "الأثر". لم يكن مجرد طبيبٍ كويتي تخصّص في علاج أمراض الجهاز الهضمي، بل كان "طبيباً لروح القارة السمراء"، ومداوياً لجراح الملايين الذين نساهم العالم في غياهب النسيان. إن قصة السميط ليست سيرة ذاتية لرجل أعمال أو داعية تقليدي، بل هي "ملحمة بشرية" تجسدت فيها أسمى معاني الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}.

من صخب العيادات إلى "أدغال" المنسيين

ولد عبد الرحمن حمود السميط في عام 1947م، ونشأ في بيئة كويتية جبلت على حب الخير. منذ صباه الباكر، كانت تلوح في أفق شخصيته ملامح "الفارس" الذي لا يهدأ. بعد تفوقه الدراسي، غادر إلى بغداد ثم كندا وليفربول ليتخصص في أدق جراحات الجهاز الهضمي. وبينما كان أقرانه يخططون لافتتاح العيادات الفارهة في العواصم الكبرى، كان قلب السميط يخفق بوتيرة أخرى.

نقطة التحول الكبرى كانت حين سمع عن ملايين البشر في إفريقيا يموتون جوعاً وجهلاً، ليس لأن الأرض شحيحة، بل لأن الأيادي التي تمتد لهم نادرة. هناك، قرر الطبيب الشاب أن يترك "المشرط" الطبي ليحمل "معول" البناء، ويستبدل الرفاهية في الكويت بالعيش في أكواخ طينية لا تقي حرّاً ولا قرّاً.

إستراتيجية "فتح القلوب": الدين معاملة قبل أن يكون كلمات

لم يدخل السميط إفريقيا عبر بوابات السياسة، بل عبر بوابات "الاحتياج". اعتمد فلسفة إنسانية عميقة: "أشبع البطون، داوِ الأبدان، ثم حدّثهم عن الرحمن". كان يدرك أن الجائع لا يسمع، والمريض لا يركز، لذا كانت مدرسة السميط هي مدرسة "الإسلام العملي".

يقول الدكتور علي محمد الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر: لقد واجه الرجل ما لا تطيقه الجبال؛ فقد تعرض لمحاولات اغتيال من عصابات مسلحة، وحاصرته أفعى الكوبرا في غابات موزمبيق، وأصيب بالملاريا مراراً، ونهشه مرض السكري حتى كادت قدماه أن تُبتر، لكنه كان يقول بابتسامته الواثقة: "أقدامنا التي تغبرت في سبيل الله، لن تمسها النار إن شاء الله". كان يطبق حرفياً قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

الأرقام الذهبية.. كيف أسلم على يديه 11 مليون إنسان؟

حين نتحدث عن 11 مليون إنسان نطقوا الشهادتين بسببه، فنحن نتحدث عن دولة كاملة دخلت الإسلام بفضل رجل واحد ومؤسسته (جمعية العون المباشر). كيف حدث ذلك؟

السر لم يكن في الخطابة، بل في "البئر". ففي القرى العطشى، كان السميط يبحث عن الماء لسنوات، وحين ينفجر الماء من الأرض، كان الناس يسجدون معه لله شكراً، فيدركون أن هذا "الإله" الذي جاء السميط ليعرفهم به هو إله الرحمة والعطاء.

"دولة من المؤسسات" داخل القارة الإفريقية:

1. بناء العقول: أنشأ أكثر من 860 مدرسة يدرس فيها الآن مئات الآلاف، و4 جامعات تخرج منها وزراء وسفراء وأطباء إفريقيون كانوا بالأمس أيتاماً.
2. سقيا الماء: حفر قرابة 9500 بئر ارتوازية، محولاً الصحاري القاحلة إلى واحات خضراء.
3. إيواء اليتامى: كفل أكثر من 15 ألف يتيم، لم يكن يطعمهم فقط، بل كان يربيهم ليكونوا قادة في مجتمعاتهم.
4. عمارة المساجد: بنى أكثر من 5700 مسجد، كانت منارات للعلم والسكينة في أدغال موزمبيق ومدغشقر ومالاوي.

فلسفة الزهد: الرجل الذي هزم الدنيا

من أروع ما يُروى عن زهد الدكتور السميط، أنه حين كان يُعرض عليه المال لإصلاح بيته الخاص أو شراء سيارة جديدة، كان يرفض بشدة ويقول: "هذا المال لليتامى، أنا يكفيني كوخي في إفريقيا". لقد تعامل مع الله بصدق، فجعل الله له القبول في الأرض. لقد كان بحق تاجراً مع الله، وصدقت فيه الآية: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}.

كان السميط يرى أن أموال الزكاة والصدقات هي "أمانة ثقيلة"، لذا كان يشرف بنفسه على توزيع الطحين في مجاعات الصومال، وهو يعاني من آلام مفاصله وجلطات قلبه، لدرجة أنه كان يوزع المساعدات وهو جالس على كرسي متحرك، رافضاً أن يستريح ما دام هناك طفل يبكي من الجوع.

الرحيل الذي لم ينهِ الرحلة

في عام 2013، ترجل الفارس عن صهوة جواده. رحل عبد الرحمن السميط عن دنيانا، لكنه لم يرحل عن قلوب الملايين في القارة السمراء. جنازته في الكويت لم تكن مجرد وداع لرجل، بل كانت تظاهرة حب عالمية. بكت عليه القرى في إفريقيا قبل أن تبكي عليه مدن الخليج.

ترك السميط خلفه إرثاً لا يفنى، ودرساً للأجيال القادمة بأن "الإنسان هو الاستثمار الرابح"، وأن خير الناس أنفعهم للناس. لقد أثبت أن "فرسان الكويت" ليسوا فقط أصحاب تجارات مالية، بل هم فرسان "تجارة لن تبور"، تجارة ربحها الفردوس الأعلى وذكرى عطرة لا يمحوها الزمان.

وشدد الدكتور علي محمد الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر:  إننا اليوم ونحن نستذكر سيرة هذا الرجل العظيم، لا نستذكره للبكاء على رحيله، بل لنستلهم من "عزيمته السميطية" كيف نكون نافعين لأمتنا. لقد علمنا السميط أن الإسلام لا يحتاج إلى "منظرين" بقدر حاجته إلى "عاملين".

رحم الله الدكتور عبد الرحمن السميط، الرجل الذي جعل من حياته جسراً يعبر عليه الفقراء نحو الكرامة، ونحو نور الهداية. سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الزمان كأحد أعظم المحسنين في العصر الحديث، وكرمزٍ خالد لـ "الكويت المعطاءة". حقاً.. "فرسان الكويت: تجارة لن تبور".

تم نسخ الرابط