عاجل

لم يكن ظهور الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في وسط طهران، بين الحشود وفي لحظة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مجرد مشهد بروتوكولي أو لقطة دعائية عابرة. في التوقيت السياسي، جاء هذا الظهور فيما تدخل الحرب أسبوعها الثاني، بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربة الافتتاحية، وتعيين مجتبى خامنئي خلفًا له، وفي ظل تصعيد عسكري متواصل، ورسائل أمريكية وإسرائيلية تتحدث صراحة عن استنزاف القيادة الإيرانية أو تفكيكها. لهذا السبب تحديدًا، يصبح مشهد الرئيس وسط العاصمة رسالة بحد ذاته: الدولة ما زالت هنا، والسلطة لم تنكسر، وطهران لا تزال قادرة على إخراج أعلى رموزها إلى الشارع بدلًا من حبسهم في الملاجئ أو تركهم أسرى الشاشات والبيانات المكتوبة. 

الوقائع الميدانية تضاعف من قيمة الصورة. تقارير اليوم تحدثت عن مشاركة بيزشكيان ومسؤولين كبار آخرين في مسيرات “يوم القدس” في طهران ومدن أخرى، بينما كانت الضربات مستمرة، وحين وقع انفجار قرب تظاهرة موالية للحكومة بعد تحذير إسرائيلي نُشر بالفارسية، في وقت قالت فيه وكالة أسوشيتد برس إن كثيرًا من الإيرانيين لم يتمكنوا أصلًا من رؤية التحذير بسبب الإغلاق شبه الكامل للإنترنت منذ بداية الحرب. أي أن القيادة الإيرانية لم تختر لحظة هدوء آمن كي تظهر، بل اختارت لحظة خطر محسوب، بما يجعل الظهور نفسه جزءًا من إدارة الحرب النفسية، لا مجرد نشاط سياسي داخلي. 

أول الرسائل التي يبعثها هذا المشهد هي رسالة داخلية بامتياز: أن حملة “قطع الرأس” لم تُنتج الفراغ الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب. إسرائيل نفسها، على لسان بنيامين نتنياهو، أقرت بأن الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران لا تعني بالضرورة انهيار النظام، وأن سقوط الحكم في طهران ليس نتيجة مضمونة للحرب الجارية. وهنا تكتسب صورة الرئيس في قلب العاصمة معناها الحقيقي؛ فهي لا تقول فقط إن الدولة صامدة، بل تقول أيضًا إن الرهان على الانهيار السريع لم يتحقق، وإن المؤسسة الإيرانية ما زالت قادرة على إنتاج انضباط سياسي ورمزي حتى وهي تتعرض لأعنف اختبار منذ سنوات. 

الرسالة الثانية موجهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل معًا: نحن لسنا قيادة مختبئة بالكامل، ولسنا نظامًا فقد أعصابه. خلال الساعات نفسها تقريبًا، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث عن أن المرشد الجديد “حي لكنه متضرر”، وكانت شخصيات أمريكية وإسرائيلية تروّج لصورة قيادة إيرانية مطاردة ومصابة ومضغوطة. ظهور بيزشكيان في الشارع، وسط جمهور مؤيد وتحت سماء تهتز بالتهديدات، يهدف إلى نسف هذه الرواية جزئيًا على الأقل. صحيح أن صورة الرئيس لا تُلغي الخسائر العسكرية، لكنها تحاول أن تقول إن مركز القرار لم يفقد ثقته بالنفس، وإن طهران قادرة على الرد على حرب الجو والسياسة بصورة مضادة: إذا كنتم تضربوننا من فوق، فنحن نظهر من تحت وبين الناس. 

لكن هذه الصورة، مهما بدت قوية، تكشف في الوقت نفسه عن فراغ لا يمكن تجاهله. فالرجل الذي لم يظهر علنًا حتى الآن هو المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وقد نُقلت أولى مواقفه عبر مذيع على التلفزيون الرسمي بدلًا من ظهوره بنفسه أو حتى بصوت مسجل، في حين تتحدث مصادر غربية عن إصابة لحقت به في بداية الحرب. معنى ذلك أن الرئيس الإيراني صار، في هذه اللحظة، الواجهة المرئية للنظام، بينما يبقى مركز الثقل العقائدي والأمني خلف الستار. وهذه مفارقة مهمة: بيزشكيان يظهر بوصفه الوجه المدني الذي يطمئن الداخل ويخاطب الخارج، لكن القرار الاستراتيجي يتجه، بحسب تقديرات رويترز وأسوشيتد برس، نحو مزيد من التشدد بعد صعود مجتبى خامنئي وتعزيز موقع التيار المتشدد والحرس الثوري. 

ومن هنا نفهم أن ظهور بيزشكيان لا يعني أن إيران تتجه تلقائيًا إلى التهدئة، بل يعني أنها تعيد توزيع الأدوار داخل السلطة. فالرئيس نفسه كان قد قال قبل عام إنه لن يتفاوض مع الولايات المتحدة تحت التهديد، ووجّه إلى ترامب عبارة تحدٍ مباشرة. ثم عاد خلال الأيام الماضية ليقدم خطابًا أكثر تركيبًا: اعتذارًا لدول الجوار المتضررة، مع إعلان تعليق الضربات عليها ما لم تنطلق هجمات على إيران من أراضيها، وهو ما أثار انتقادات من متشددين داخل النظام قبل أن تؤكد مؤسسات أخرى استمرار الرد على أي منصة إقليمية تُستخدم ضد إيران. بهذا المعنى، فإن ظهوره في طهران يربط بين خطين متوازيين: خط الرفض الاستراتيجي للخضوع الأمريكي، وخط إدارة الخسائر الإقليمية ومنع تشكّل طوق عربي أوسع ضد إيران. 

هذه النقطة بالذات تفسر الرسالة الثالثة الموجهة إلى العالم العربي والخليج. إيران تعرف أن المعركة لا تُحسم فقط في تل أبيب أو واشنطن، بل أيضًا في العواصم التي تستضيف قواعد أمريكية أو تملك قدرة على تسهيل أو عرقلة الوساطات. لذلك فإن ظهور الرئيس في وسط طهران، لا في مخبأ ولا في غرفة عمليات مغلقة، يهدف إلى القول إن الجمهورية الإسلامية ما زالت كيانًا قابلًا للتفاوض معه، وليس ساحة تتفكك. ومع ذلك، فإن هذه الرسالة لم تُقنع الجميع؛ فالإمارات قالت اليوم بوضوح إن أي وساطة لا يمكن أن تبدأ بينما تتعرض الدول المجاورة للهجوم، وإن “الحديث عن الوساطة تحت النار” غير ممكن. وهذا يعني أن طهران، مهما نجحت في تسويق صورة الصمود، لم تنجح بعد في تبديد خوف الجوار من اتساع الحرب. 

على مستوى الأزمة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية نفسها، فإن هذا الظهور ينقل المعركة من سؤال “هل يسقط النظام سريعًا؟” إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: “من يملك نفسًا أطول في حرب الاستنزاف؟”. فواشنطن وتل أبيب حققتا، بحسب التصريحات الإسرائيلية والأمريكية، ضربات كبيرة طالت البنية القيادية والعسكرية الإيرانية، لكن إيران، عبر إبقاء الرئيس ظاهرًا في الشارع، تسعى إلى إفهام خصومها أن الضربات لم تكسر البنية المعنوية للدولة. بل إن الرسالة الأبعد هي أن إيران لا تقاتل فقط للدفاع عن منشآت أو قيادات، بل للدفاع عن فكرة الاستمرارية نفسها: أن الحكم الذي خسر المرشد الأول لم ينهَر، وأنه يستطيع إنتاج خليفة وواجهة مدنية وخط تعبئة شعبية في وقت واحد. هذه ليست مجرد دعاية؛ إنها محاولة لتحويل كل يوم صمود إضافي إلى إنجاز سياسي يعادل، في منطق طهران، بعض الخسائر العسكرية. 

ثم إن ظهور بيزشكيان يتصل اتصالًا مباشرًا بملف الطاقة والملاحة، أي بالجانب الذي يجعل الحرب أخطر من مجرد مواجهة ثنائية. رويترز نقلت عن وكالة الطاقة الدولية أن الحرب خلقت أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بينما تعهد المرشد الجديد بالإبقاء على إغلاق مضيق هرمز وهدد القواعد الأمريكية في دول الجوار. في هذا السياق، لا تعود صورة الرئيس وسط العاصمة صورةً إيرانيةً داخلية فقط، بل تصبح جزءًا من خطاب أوسع يقول للعالم: إيران، رغم الجراح، ما زالت قادرة على الإمساك بأوراق خنق الاقتصاد العالمي أو على الأقل تعقيده، وبالتالي فإن استبعادها أو التعويل على انهيارها السريع قد يكون رهانًا مكلفًا للجميع. 

هنا يدخل الرابط مع تصريحات الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش اليوم. في ظاهر الأمر، تبدو طهران بعيدة عن بلغراد، لكن الحرب الكبرى لا تعمل بهذه البساطة. فوتشيتش قال إن بلاده تراقب تعاونًا عسكريًا بين كرواتيا وألبانيا وكوسوفو، وإن صربيا تستعد لاحتمال هجوم، بينما أكدت رويترز اليوم أيضًا أن صربيا اشترت صواريخ باليستية جو-أرض صينية من طراز CM-400AKG، لتصبح أول مشغّل أوروبي لهذا السلاح، وأن الرئيس الصربي تحدث عن امتلاك “عدد كبير” منها. هذه ليست مجرد تصريحات انفعالية؛ إنها لغة ردع مقرونة بتسليح فعلي. وحين نقارنها بما يحدث في إيران، يتضح أن صورة “الرئيس الذي يظهر وسط الخطر” ليست حكرًا على طهران؛ بل هي جزء من مناخ أوسع يتجه فيه قادة دول الأطراف إلى الجمع بين الخطاب الشعبوي والتسليح السريع وإرسال إشارات ردع علنية إلى الخصوم. 

الأهم من ذلك أن الحرب الإيرانية نفسها بدأت تضغط على البلقان وأوروبا اقتصاديًا، لا أمنيًا فقط. صربيا علّقت صادرات النفط الخام والديزل والبنزين حتى 19 مارس لحماية سوقها الداخلية بعد قفزات أسعار النفط المرتبطة بالحرب في إيران، بينما قالت رويترز إن أوروبا المثقلة بالديون باتت تملك مساحة أضيق بكثير للتعامل مع صدمة طاقة جديدة مقارنة بما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. أي أن الشرق الأوسط هنا لا يكتفي بإشعال أسواقه، بل يعيد تسخين الضعف الأوروبي أيضًا: التضخم، الطاقة، الإنفاق الدفاعي، والخوف من تكرار أزمات 2022 في ظرف مالي أسوأ. من هذه الزاوية، تصبح تصريحات فوتشيتش جزءًا من بيئة أوروبية متوترة أصلًا، لا حادثًا معزولًا في البلقان. 

فهل يمكن أن نشهد حربًا في أوروبا؟ القراءة الهادئة تقول إن احتمال حرب أوروبية شاملة في المدى القريب لا يزال أقل من احتمال اتساع الحروب المحيطية والهجينة والموضعية. لا توجد، في المعطيات المتاحة اليوم، مؤشرات موثقة على أن أوروبا تتجه إلى مواجهة تقليدية واسعة بين جيوش كبرى على غرار الحربين العالميتين. لكن توجد مؤشرات واضحة على ارتفاع منسوب الخطر في ثلاثة مستويات: أولها البلقان، حيث يجري خطاب الردع المتبادل وسباق التسلح على أرضية نزاعات لم تُغلق نهائيًا؛ وثانيها الجبهة الشرقية لأوروبا، حيث أعلنت بولندا اليوم أن الطائرة المسيّرة العسكرية التي عُثر عليها على أراضيها على الأرجح تعود إلى اختراق روسي سابق، فيما تدفع وارسو بقوة في اتجاه تمويل أوروبي أوسع للدفاع بسبب ما تسميه “تدهورًا سريعًا وغير مسبوق” في أمن القارة؛ وثالثها حرب الظل، إذ قالت الشرطة البريطانية قبل أيام إن تحقيقًا دوليًا ربط الاستخبارات العسكرية الروسية بسلسلة حرائق في شحنات جوية عبر أوروبا. هذه ليست حربًا أوروبية شاملة بعد، لكنها بالتأكيد ليست قارة مطمئنة. 

وعليه، فإن الربط بين ظهور الرئيس الإيراني في قلب طهران وبين تصريحات رئيس صربيا ليس ربطًا قسريًا أو صحفيًا مبالغًا فيه، بل هو ربط بين مناخين يتغذيان من بعضهما: مناخ حرب الشرق الأوسط المفتوحة، ومناخ أوروبا القلقة التي تزداد تسلحًا وتوترًا وتحسبًا. حين يظهر بيزشكيان في الشارع، فهو لا يبعث رسالة إلى الإيرانيين فقط، بل إلى عواصم ترى أن منطق الحروب عاد بقوة إلى السياسة الدولية. وحين يحذر فوتشيتش من هجوم محتمل ويعرض ترسانة صاروخية صينية، فهو بدوره يخاطب قارة تعرف أن زمن التهدئة الاستراتيجية انتهى، حتى إن لم يبدأ بعد زمن الحرب الكبرى الشاملة. ما يجمع الصورتين هو أن العالم انتقل من إدارة الأزمات إلى استعراض الاستعداد للصدام. وما يفصل بين الصدامات المحدودة والحرب الأوسع لم يعد مبدأً أخلاقيًا أو قانونيًا بقدر ما صار توازن ردع، وحسابات كلفة، وخطأ تقدير واحد قد يقع في لحظة إقليمية مشتعلة. 

في الخلاصة، ظهور الرئيس الإيراني في وسط طهران هو حدث أكبر من صورته. إنه إعلان بأن طهران تريد أن تُرى لا كسلطة نجت بالكاد، بل كدولة ما تزال تمسك بمسرحها الداخلي وتقاوم الرواية التي تكتبها عنها طائرات خصومها. وهو أيضًا اعتراف ضمني بأن الحرب صارت معركة على الإدراك العام بقدر ما هي معركة على الأرض: من يبدو أكثر ثقة؟ من يبدو حاضرًا؟ من يبدو قادرًا على الحكم بعد الضربة؟ وإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تراهنان على أن الضغط العسكري يفتح الباب لتغيير عميق في إيران، فإن طهران تراهن، عبر هذه الظهورات، على أن الثبات العلني سيُبطئ ذلك المسار أو يرفع كلفته. أما أوروبا، التي تراقب من بعيد ظاهريًا، فهي ليست خارج الصورة أبدًا؛ لأن النار التي رفعت أسعار الطاقة ودفعت صربيا إلى إجراءات استثنائية وأعادت الحديث عن الأمن الأوروبي، هي نفسها النار التي تجعل من كل ظهور علني لقائد تحت القصف حدثًا دوليًا لا محليًا. لهذا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم: هل كانت صورة بيزشكيان ناجحة دعائيًا؟ بل: هل أصبحت الصورة نفسها جزءًا من توازن القوى؟ والجواب، حتى الآن، نعم. 

 

تم نسخ الرابط