جامع عمرو يستقبل الجمعة اليتيمة في رمضان: النعماني قارئا والشهيد عنوانها
يستقبل جامع عمرو بن العاص اليوم شعائر صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان، والتي تبدأ بتلاوة للقارئ الشيخ طه النعماني.
وحددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليتيمة من رمضان للحديث عن منزلة الشهيد، موضحة أن الهدف هو بيان فضل الشهادة ومنزلة الشهداء، وإبراز الدور العظيم الذي قام به شهداء مصر الأبرار فنالوا شرف الشهادة.
موضوع خطبة الجمعة
وجاء الجزء الثاني من خطبة الجمعة اليتيمة تحت عنوان: «سلام هي حتى مطلع الفجر»، لافتة إلى أن الهدف دعوة جمهور المسجد إلى إدراك مكانة ليلة القدر وأنها ليلة الكرم الإلهي.
وقالت الأوقاف، إن الشهادة منزلة عظيمة ودرجة عالية، يصطفي الله تعالى لها الخُلَّص من عباده الذين اجتباهم وسبقت لهم منه الحسنى؛ وهي أعظم برهان يقدمه العبد على صدق إيمانه ويقينه، فيبذل روحه في سبيل الله تعالى وفي سبيل وطنه وعرضه ومقدساته؛ تصديقًا بوعد الله وطلبا للقرب منه.
وأوضحت أن الأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، ولا تُحفظ بالآمال المجردة، وإنما يحفظها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجالٌ جعلوا أرواحهم درعًا يحمي الأرض والعرض، فكانوا مثالًا للفداء والتضحية، وهنا نتذكر بكل فخرٍ واعتزاز شهداء مصر الأبرار الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن وطنهم، وحمايةً لأمنه واستقراره.
لقد وقف هؤلاء الأبطال في وجه الإرهاب والعدوان، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والبسالة، فاختارهم الله لنيل هذا الشرف العظيم؛ شرف الشهادة، فامتزجت دماؤهم بتراب الوطن الطاهر، لتكتب صفحاتٍ مضيئة في تاريخ مصر، ولتبقى تضحياتهم منارةً للأجيال القادمة.
سر اختيار لفظ الشهيد ودلالاته:
وقالت الأوقاف إن مادة الشين والهاء والدال أصل يدلّ في اللغة العربية على حضور، وعلم، وإعلام، وهو سر اختيار لفظ الشهيد لمن فقد روحه فداء لدينه أو لوطنه، فكأن الله تعالى اختار الشهادة لفظًا ومعنى، فلفظ الشهيد يدل على أنه وإن فارقت روحه جسده في سبيل دينه ووطنه إلا أن له الحضور والعلم فهو شاهد وشهيد، فشاهد وشهيد بمعنى واحد، مثل عالم وعليم، وناصر ونصير، وهم شهداء لأنهم أحياء، فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة.
ولأنهم يشهدون عند خروج أرواحهم ما أعد الله تعالى لهم من الكرامة.
ولأنهم يُشهد لهم بالأمان من النار.
ولأنهم لا يشهدون عند موتهم إلا ملائكة الرحمة.
ولأنهم أول من يشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل فهم أول شهداء الناس.
ولأن الملائكة تشهد لهم بحسن الخاتمة.
ولأن الأنبياء تشهد لهم بحسن الاتباع.
ولأن الله تعالى يشهد لهم بحسن نيتهم وإخلاصهم إذ قدموا أنفسهم لله جل جلاله.
ولأنهم عند الشهادة يشاهدون الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة. [فتح الباري].
الجناب النبوي المعظم وتمني الشهادة في سبيل الحق:
إن من أعظم ما يتمناه المرء أن يُرزق الشهادة ومنزلة الشهداء، وقد كان الرسول الأكرم مع منزلته العالية يتمنى أجر الشهادة، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ عبدٍ يَمُوْتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجعَ إِلى الدّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدّنْيَا وَمَا فِيْهَا، إِلاَّ الشَّهِيْدُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشهَادةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّة أُخْرَى» [صحيح البخاري].
وروى ابن حبان في "صحيحه" واللفظ له، والحاكم وصححه، عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جُرِحَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ جُرْحًا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَرِيْحُهُ رِيْحُ المِسْكِ، وَلَوْنه لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، وَعَليْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالى الشَّهَادةَ مُخْلِصًا أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلى فِرَاشِه».
طلب الشهادة لا يعني تمني لقاء العدو:
إن المؤمن الصادق يتمنى الشهادة لحصول منزلة الشهادة ودرجتها عند الله تعالى، ولكنه في الوقت ذاته لا يسعى إلى تمني لقاء العدو، فليس معنى ذلك أننا دعاة حرب أو قتال أو أننا نتمنى القتال أو نطلبه، فليس من المطلوب شرعا ولا عقلا تمني لقاء العدو قط، بل شأننا البعد عن ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وإشاعة السلم من أهم مطالب الشريعة، ولا يسعى المسلم إلى إشعال فتيل الحرب، بل المسلم مأمور بإشاعة السلام والطمأنينة مع كل الخلق، وأن يسلك في ذلك كل السبل، ومن ثَمَّ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتَمَنوْا لِقَاءَ العَدُو، وَإِذَا لَقِيْتُمُوْهُمْ فَاثْبُتُوْا» [رواه الشيخان].
والحكمة في ذلك: أن العبد قد لا يثبت عند اللقاء فيكون عليه فتنة، وربما لا يعلم آثار الحرب المستقبلية فيندم بعد ذلك، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الإِمام أحمد، والطبراني بقوله: «فَإِنَّكمْ لا تَدْرُوْنَ ما يَكُوْنُ فِيْ ذَلِكَ»؛ أي: في لقاء العدو.
فأما إذا اعتُدي على الدين والوطن فوجب على المسلم أن يكون شجاعًا جسورًا في الدفاع عن دينه ومقدراته، وعليه أن يكون عند اللقاء ثابتًا قويًّا مهيبًا مُوقنًا بموعود الله تعالى.
فتمني لقاء العدو إنما يكون في صد مواجهة المعتدين، الذين يريدون أن ينالوا من ديننا ووطننا، أو أن يعتدوا على مقدساتنا، فلا بد من إظهار حمية المؤمن في الدفاع عن دينه ووطنه، وأن يكون ثابتًا كالجبل أمام عدوه، وبه يحصل التشبه بالشهداء.



