ما هي الدول المستفيدة من الحرب على إيران، وما الدول التي ستتضرر؟
الحروب لا تخلف فائزين حقيقيين
نادرًا ما تفرز الحروب رابحين واضحين، إذ غالبًا ما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدأت أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تشهد اضطرابات كبيرة، ما يهدد اقتصادات عدة دول.
وبينما تستعد بعض الدول لتحمل تبعات اقتصادية صعبة، قد تجد دول أخرى فرصًا لتعزيز نفوذها أو تحقيق مكاسب استراتيجية.
تداعيات الحرب على المنطقة والعالم
أدت الحرب إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج، كما أجبرت مئات الآلاف من السكان في الشرق الأوسط على النزوح من منازلهم.
وفي الوقت نفسه، تسبب ارتفاع أسعار النفط وتعطل حركة الملاحة في الخليج، خاصة في مضيق هرمز، في زيادة تكاليف الطاقة والنقل، ما انعكس على المستهلكين والشركات حول العالم.
روسيا.. مكاسب اقتصادية رغم الخسائر السياسية
تعد إيران حليفًا مهمًا لروسيا وشريكًا عسكريًا لها، لذلك مثل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني ضربة دبلوماسية لموسكو، خاصة بعد خسائر أخرى في الساحة الدولية.
ورغم ذلك، قد يمنح الصراع في الشرق الأوسط روسيا فرصة غير مباشرة في حربها مع أوكرانيا، إذ قد يؤدي إلى تحويل جزء من الموارد العسكرية الأمريكية بعيدًا عن كييف.
ويرى بعض الخبراء أن استنزاف الصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع مثل باتريوت قد يقلل من قدرة أوكرانيا على الحصول على هذه الأسلحة.
كما أن التعاون العسكري بين موسكو وطهران، خاصة في مجال الطائرات المسيرة من طراز "شاهد"، لم يعد بنفس الأهمية كما كان في بداية الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت روسيا قادرة على إنتاج هذه الطائرات محليًا.
اقتصاديًا، قد تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في الخليج، فميزانيتها تعتمد على سعر يقارب 59 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز السعر في بعض الفترات 120 دولارًا للبرميل، ما قد يعزز عائدات موسكو من صادرات الطاقة، خصوصًا إلى أسواق كبرى مثل الصين والهند.
الصين.. تأثير محدود وفرص دبلوماسية
لم تشهد الصين حتى الآن تأثيرًا اقتصاديًا كبيرًا من الحرب، خاصة أن النفط الإيراني يمثل نحو 12% فقط من وارداتها النفطية، كما تمتلك بكين احتياطيات كافية من الطاقة لعدة أشهر، ويمكنها اللجوء إلى روسيا لتعويض أي نقص.
لكن قطاع التصدير الصيني قد يتضرر إذا تعطلت طرق التجارة العالمية، إذ تشكل الصادرات نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، كما أن أي اضطرابات في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب قد تؤثر على حركة السفن المتجهة من آسيا إلى أوروبا وأمريكا.
وفي حال اضطرار السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، فإن الرحلة قد تطول من 10 إلى 14 يومًا، ما يضيف تكاليف تصل إلى نحو مليوني دولار للسفينة الواحدة.
سياسيًا، قد تحاول الصين استغلال الأزمة لتقديم نفسها كقوة دولية تدعو إلى الاستقرار، في مقابل صورة الولايات المتحدة التي تظهر كطرف منخرط في الصراع، كما قد تراقب بكين عن قرب طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة لمعرفة كيف قد تتصرف في ملفات أخرى مثل تايوان.
الاقتصادات الناشئة الأكثر تضررًا
تعتمد دول جنوب شرق آسيا بشكل كبير على النفط والغاز القادم من الشرق الأوسط، لذلك يتوقع أن تكون من أكثر المتضررين من الحرب.
في فيتنام، ارتفعت أسعار الديزل بنحو 60% منذ بداية الصراع، ما دفع الحكومة إلى تشجيع العمل من المنزل لتقليل استهلاك الوقود.
أما في الفلبين، التي تستورد نحو 95% من نفطها من الشرق الأوسط، فقد تقرر تقليص أيام العمل في القطاع الحكومي إلى أربعة أيام أسبوعيًا باستثناء الخدمات الحيوية.
وفي باكستان، فرضت الحكومة إجراءات تقشفية شملت العمل عن بعد ونقل بعض الدروس الجامعية إلى الإنترنت بهدف تقليل استهلاك الوقود.
أما بنجلاديش، فشهدت محطات الوقود ازدحامًا شديدًا بسبب شراء الوقود بدافع القلق، ما دفع السلطات إلى فرض نظام تقنين يسمح بعشرة لترات يوميًا للسيارات ولترين فقط للدراجات النارية.
خطر يهدد الأمن الغذائي العالمي
لا تقتصر آثار الحرب على قطاع الطاقة فقط، بل قد تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، فالمزارعون حول العالم يعتمدون على الأسمدة لتحسين جودة التربة وزيادة إنتاج المحاصيل، وأي اضطراب في هذا القطاع قد يؤدي إلى نقص في الإنتاج الزراعي.
ويمر نحو 30% من اليوريا العالمية، وهي مادة أساسية في صناعة الأسمدة، عبر مضيق هرمز، لذلك فإن أي تعطيل لحركة الملاحة في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى نقص كبير في الإمدادات العالمية.
كما اضطرت شركة "قطر للطاقة"، إحدى أكبر منتجي الغاز واليوريا في العالم، إلى إعلان حالة "القوة القاهرة" بعد تعرض منشآتها لهجمات، وهو إجراء يسمح بتعليق الإنتاج أو التسليمات مؤقتًا بسبب ظروف طارئة.
ويتوقع خبراء أن تبدأ آثار هذه الاضطرابات في الظهور خلال ستة إلى تسعة أشهر، مع احتمال ارتفاع التضخم وتراجع إنتاج المحاصيل بسبب نقص الأسمدة.
وتكشف الحرب على إيران عن شبكة معقدة من التأثيرات الاقتصادية والسياسية، فبينما قد تستفيد بعض الدول من ارتفاع أسعار الطاقة أو التحولات الجيوسياسية، تواجه دول أخرى أعباء ثقيلة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب التجارة العالمية، ومع استمرار الصراع، قد تتسع هذه التداعيات لتشمل الأمن الغذائي العالمي والاقتصاد الدولي بأكمله.



