أيهما يحكم الآخر: إسرائيل أم أمريكا؟
في بعض الأحيان تذهب أمريكا معصوبة العينين في الاتجاه الذي تريده إسرائيل، وفي وقائع قليلة نرى أمريكا وكأنها قادرة على كبح جماح الصهيوني المُدمِّر. هذا السؤال يختلف عليه الباحثون، وينقسم حوله الرأي العام الأمريكي، ويركّز عليه الإعلام، خصوصًا مشاهير مثل تاكر كارلسون. وفي منطقتنا يتعمّق الانقسام بين سياسيين كبار؛ إذ يعتقد البعض أن أمريكا دولة عظمى وترى مصالحها في قوة إسرائيل، بينما يظن معارضوهم أن الوقائع توثّق تحكمًا مفصليًا للصهيونية في الإدارة الأمريكية.
إسرائيل تشبه المسمار الطبي الذي يخترق نسيج الجسد الأمريكي ويربط العظم بعضه ببعض؛ ومن دونه تختل الحركة ويرتبك التوازن. ففي كل ركن من الاقتصاد أو السياسة ستجد صهيونيًا، وخلفه جيش من الإنجيليين الأمريكيين يدعمونه كأنه مرسل ببشارة “عودة المسيح”. لذا صدق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء حرب غزة حين نبّه إلى أن إسرائيل بدأت تفقد نفوذها في الكونغرس. لكن نتنياهو أثبت له العكس؛ فحين زار الكونغرس استُقبل كما لم يُستقبل أي رئيس أمريكي، وفي المقدمة ترامب صاحب الأغلبية البرلمانية. ترامب نفسه لا يتحدث عن إسرائيل بمعزل عن أمريكا، فدائما يقول : " أسرانا أو رهائننا، أو دمرنا، أو سندمر حماس،.. " وغير ذلك من الجمل التي تظهره وكأنه ناطق باسم إسرائيل.
العلاقة بين إسرائيل وأمريكا كعلاقة أبٍ ثري وابنٍ يحبو: أب يرعى ويحمي ويساعد ويدلل. وحين شبّ الابن بدأ يشارك الأب الفكر والإدارة، ومع الوقت شاخ الأب وباتت قدرته على توجيه الابن غائبة؛ فالابن أصبح يمتلك المفاتيح وحق اتخاذ القرارات المهمة والصعبة. بقي الأب واجهة أنيقة ومهيبة، لكن الابن يتصرف في إدارة شركات الوالد كما يشاء، ولم يبقَ له سوى أن يحجز على الأب إن حاول أن يتدخل أو يعدّل قرارات الابن.
هذه العلاقة الغريبة والعجيبة لم تبدأ اليوم، لكنها بدأت منذ نشأة التنظيم الصهيوني الذي تغلغل في مغارات الحكم، واختبأ في دهاليز السياسة بعدة عواصم، أبرزها برلين ولندن وباريس وواشنطن. كان قادة التنظيم يعملون مع كل عاصمة كأنها وحدها من تحظى بولائهم. في برلين قدّم تيودور هرتزل ذات الإغراءات التي قُدمت لبريطانيا فيما بعد، وكاد أن ينجح لولا رفض العثمانيين؛ إذ قدّم هرتزل كل الحجج التي تقنع الألمان في عام 1902:
“إن نفوذ ألمانيا السياسي والاقتصادي في تركيا بالغ الأهمية، فإذا استخدمتم هذا النفوذ لمصلحتنا تربحون وجودكم في جزء مهم من الإمبراطورية العثمانية، لا يقل أهمية عن وجود عدوتكم التقليدية بريطانيا في الهند”.
وفي بريطانيا قدّم حاييم وايزمان الرؤية ذاتها بصيغة متطابقة عام 1906، في أول لقاء له مع بلفور؛ رؤية تعتمد لغة المنافع والمكاسب السائدة حتى اليوم:
“ندرك نحن اليهود أن البريطانيين يشعرون برعب شديد من إنشاء دولة عربية موحدة تضم العراق والشام وفلسطين، فتهدد طرق المواصلات، وتكرر تجربة محمد علي الذي أنشأ دولة عربية دفع الأوروبيون ثمنًا باهظًا حتى استطاعوا تحطيمها. لذلك لا حل أمام البريطانيين غير إعطائنا فلسطين لتكون حائلًا بريًا يمنع تكرار تجربة محمد علي المريرة، ويحفظ مصالحهم ويحمي طرق المواصلات، وفي المقدمة قناة السويس”.
أما في أمريكا فقد كان الرهان عليها كبيرًا جدًا، إذ كانت حاضرة في كل مراحل تطور الحركة. في عام 1915 قدّم هربرت صموئيل، اليهودي الذي أصبح مندوبًا ساميًا على فلسطين (1920–1925)، مذكرة إلى رئيس وزراء بريطانيا أسكويث يطالبه فيها بمنح فلسطين لليهود، وأن الصهاينة في الإدارة الأمريكية سيدعمون ذلك.
وفي عام 1917 التقى ليونيل فالتر روتشيلد وحاييم وايزمان والسير رونالد جراهام مع بلفور، الذي طلب من الصهاينة جلب موافقة أمريكا. وهنا التقط وايزمان المفتاح التائه ليفتح به المغاليق، فقال لبلفور:
“الرئيس الأمريكي ويلسون لديه عدد كبير من المستشارين الصهاينة، وبمقدورهم أن يفعلوا الكثير لكم ولنا”.
هذا ما أراده بلفور: أن تنضم أمريكا إلى الحلفاء بضغط من الصهاينة.
يقول وايزمان في كتابه “التجربة والخطأ”:
“بدا تأثير الكلام واضحًا على وجه بلفور، ما جعلني أدرك أن الحصول على تأييد أمريكي لمطالبنا سيحسم كل شيء، فكثفت اتصالاتي بالصهاينة الأمريكيين، خصوصًا مستشاري ويلسون”.
وحين التقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، في فبراير 1945، كان جل ما أراده الرئيس هو موافقة الملك على قبول هجرة اليهود إلى فلسطين. وطبقًا للكثير من الوثائق الغربية عن هذا اللقاء، الذي تم في البحيرات المرة بقناة السويس وعلى متن السفينة “يو إس إس كوينسي”، فإن الملك رد على الرئيس الأمريكي حين طلب نصيحته بخصوص اليهود الذين عانوا من اضطهاد الألمان قائلًا:
“أعطهم أراضي ومنازل الألمان الذين اضطهدوهم”.
فألحّ الرئيس بأنهم يريدون الهجرة إلى فلسطين، فرد الملك بحصافة بأنه ليس لديه شك في انتصار الحلفاء، وهذا يساعد على حماية ضحايا النازيين بعد الحرب. ثم حاول الرئيس أن يستميل الملك بالكرم العربي طالبًا مساعدته في حل المشكلة، فرد الملك:
“الظالم يدفع الثمن؛ هكذا ننظر نحن العرب لمن يشن الحروب ويُهزم. التعويض يجب أن يدفعه من تسبب في الأزمة. ما الأذى الذي سببه العرب ليهود أوروبا؟”
حاول الرئيس طوال اللقاء، لكن الملك ظل على موقفه. واللافت أن الرئيس الأمريكي حمل على عاتقه عبء المطالب الصهيونية في لقاء نادر مع الملك عبدالعزيز، ولم يكن همه الأول مصالح بلاده.
التنظيم الصهيوني أجاد استغلال الفرص واللعب على كل الحبال. فعلى لسان وايزمان، أحد مؤسسي الصهيونية الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل، ما يكشف عن حجم الانتهازية التي اتبعها التنظيم وما زال. إذ يقول:
“فكرت كثيرًا في الحرج الذي أوقعتنا فيه الحرب — الحرب العالمية الأولى — فقد كنا على علاقة طيبة بكل الدول المتحاربة، وكان كل طرف يظن أننا نخلص له دون غيره. أما وقد نشبت الحرب، أصبح علينا أن نأخذ موقفًا: فهل نؤيد ألمانيا وتركيا أم نقف مع بريطانيا وفرنسا؟ وماذا يحدث لو هُزم الطرف الذي راهنّا عليه؟ تذكرت مقولات هرتزل، وانتهيت إلى العمل في كل اتجاه يكون وسيلتنا. نراهن على الجميع، ونقنع الجميع أن مصلحتهم في تحقيق أهدافنا. وقد كان مكتب المنظمة في برلين على تواصل دائم مع الألمان، ويكمل الحوار الذي بدأه هرتزل مع غليوم”.
هذه هي الصهيونية: تقدم الولاء للجميع مهما كانت المتناقضات؛ تعادي المسيحية في فلسطين وتستخدمها في أمريكا، تمد يدها بالعون وفي اليد الأخرى حبل مشنقة.