عاجل

ترتيب الحضانة وحق الأب في الاستضافة بين القانون والواقع الاجتماعي | (ملف خاص)

تعبيرية
تعبيرية

أعاد مسلسل "أب ولكن" تعديل قانون الأحوال الشخصية إلى صدارة المشهد مرة أخرى، حيث فتح ملف ترتيب الحضانة ورؤية الصغار بعد انفصال الأب والأم، ورغم التعاطف الكبير مع الآباء ومطالبة البعض بضرورة تعديل القوانين الحالية، إلا أن البعض الآخر يُحذر من التغيير الذي قد يؤثر على نفسية واستقرار الطفل.

يفتح "نيوز رووم" ملف ترتيب الحضانة والرؤية، في الوقت الذي تُشير فيه التوقعات إلى مناقشة قانون الأحوال الشخصية خلال الفترة القليلة المقبلة.

ترتيب الحضانة قد يكون مفاجأة قانون الأحوال الشخصية

علق النائب خالد خلف الله، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، على ما أثير بشأن مقترح المساواة بين الأب والأم في ترتيب الحضانة ضمن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، مؤكدًا أن هذا الملف من القضايا شديدة الحساسية التي تتطلب نقاشًا مجتمعيًا واسعًا قبل حسمها بشكل نهائي.

وقال خلف الله في تصريحات خاصة لموقع “نيوز رووم”، إن مشروع قانون الأحوال الشخصية ما زال قيد الدراسة والمراجعة داخل الجهات المختصة، ولم يتم الاستقرار على الصيغة النهائية لعدد من المواد، وفي مقدمتها ما يتعلق بترتيب الحضانة، موضحًا أن طرح فكرة تحقيق قدر من التوازن بين الأب والأم في هذا الشأن مطروح للنقاش، لكنه لم يُحسم حتى الآن.

وأشار عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب إلى أن أي تعديل في ترتيب الحضانة يجب أن يراعي في المقام الأول مصلحة الطفل، باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه القانون، لافتًا إلى أن هناك آراء قانونية واجتماعية متعددة حول المقترح، وهو ما يستدعي التريث وعدم التسرع في إقرار نصوص قد يكون لها تأثير مباشر على استقرار الأسرة.

وأضاف خلف الله أن المقترح قد يكون من بين المفاجآت التي يحملها مشروع القانون الجديد، في حال تم التوافق عليه بعد النقاش، لكنه شدد على أن مثل هذه التعديلات لا يمكن تمريرها دون حوار مجتمعي حقيقي يشارك فيه المتخصصون ورجال القانون والمؤسسات المعنية بقضايا الأسرة والطفل.

وأوضح أن الاتجاه الأقرب هو طرح مشروع القانون للحوار المجتمعي قبل عرضه على مجلس النواب، بهدف الوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين حقوق الأب والأم وتحافظ في الوقت نفسه على مصلحة الصغير واستقرار الأسرة، مؤكدًا أن البرلمان حريص على خروج القانون بصورة تحقق التوافق المجتمعي وتحد من النزاعات الأسرية.

الواقع العملي أثبت عدم تفرغ الأم

في السياق ذاته، قال الناشط الحقوقي نجاد البرعي عضو مجلس أمان الحوار الوطني والمجلس القومي لحقوق الإنسان سابقًا، إن قضية ترتيب الأب في حضانة الصغير ليس متأخرًا باعتبارات أن هناك عدم تفريق بين سن الحضانة للصغير في مرحلة ولاية الأم وفرعها (أم الأم - الخالة) وولاية الأب وفروعه (أم الأب والعمة).

وأوضح «البرعي» في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن هناك مراعاة لمصلحة الصغير في سن حضانة النساء والتي تقدم فيها الأم وأمها والخالة لاعتبارات المصلحة والحاجة لرعاية شؤونه وخدمته التي قد لا تتحقق في وجوده مع الأب لحين وصوله لسن حضانة الرجال والتي يقدم فيها الأب والجدة لأب والعمة.

ولفت على هامش أحداث مسلسل «أب ولكن» إلى أن الواقع العملي أثبت عدم تفرغ الأم ونزولها إلى مضمار العمل في ظل تقدم العمر بوالدتها وعدم القدرة على رعاية الصغير، وقيام الخالة بالعمل أيضا، وبالتالي فإن هناك حاجة لمراعاة الأصلح للصغير وأن يكون الانتقال للأب حال قدرته على تقديم الرعاية المطلوبة والحيلولة دون استغلال الصغير في تصفية الحسابات من جانب الطرفين.

وحول قيام بعض المحامين في الزج بالصغير في قضايا النزاعات بين الأب والأم، قال «البرعي»: «طالما وجد القانون سيكون هناك ثغرات وهناك من يسعى لاستغلالها واستثمارها؛ لكن الأمر يتطلب من القضاه أن يكونوا أصحاب الكلمة العليا التي تطبق القانون بنزاهة وليس بروح القانون أو النظر إلى الأم باعتبارها الأضعف». 

قياس الأثر التشريعي للقانون القائم

وتعليقًا على الجدل المثار حول ترتيب حضانة الطفل، قالت النائبة الدكتورة سارة النحاس، عضو مجلس النواب، في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، إن الواقعة التي شاهدها الرأي العام في مسلسل “أب ولكن” مؤلمة وصادمة، مؤكدة أن حماية الطفل يجب أن تكون أولوية قصوى.

وأضافت أنه من المهم قبل المطالبة بتعديل قانون الطفل أن نطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بقياس الأثر التشريعي للقانون القائم، موضحة أن الحكم على تشريع كامل من خلال واقعة أو حالتين قد لا يعكس الصورة الكاملة، مشيرة إلى أنه قد يكون من الضروري دراسة عدد أكبر من الحالات والوقائع المماثلة لمعرفة ما إذا كانت هناك فجوة تشريعية حقيقية تستوجب التعديل، أم أن المشكلة تكمن في آليات التنفيذ والرقابة.

وأكدت أن الهدف في النهاية ليس فقط تعديل النصوص، بل ضمان حماية حقيقية وفعالة لكل طفل، لافتة إلى أن المطالبة بمراجعة ترتيب الحضانة أو إعطاء الأب دورًا أكبر في حياة أبنائه هي مطالب تستحق النقاش المجتمعي والقانوني، مشددة على أن هذا النقاش يجب أن يكون قائمًا على دراسات اجتماعية وقانونية واسعة تعكس واقع آلاف الحالات، وليس بناءً على حالة درامية أو واقعة فردية.

وفي ختام تصريحاتها الخاصة، أكدت النائبة أن المطلوب اليوم ليس فقط تعديل النصوص، بل فتح حوار تشريعي ومجتمعي جاد يشارك فيه المتخصصون في القانون وعلم النفس والاجتماع، لضمان تحقيق التوازن بين حقوق الأب والأم، والأهم من ذلك ضمان بيئة صحية ومستقرة للطفل.

الحضانة ليست ساحة للكيد

من الناحية الدينية، علق الدكتور هشام ربيع أمين الفتوى بدار الإفتاء على أحداث مسلسل أب ولكن وتناوله قضية الرؤية، وأكد أن الحضانة وتنظيمها إنما هي وسيلةٌ لحماية المحضون ورعايته، والقيام بحقوقه والعناية بشؤونه، موضحًا أن الحاضنة إذا أرادت إسقاط الحضانة لا تَسقُط، وكل هذا حتى لا يضيع المحضون، الذي هو الغاية والمقصد مِن تنظيم شؤون الحضانة.

وأكد في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»: أن الحضانة ليست ساحةً لِكَيْدِ المُطَلِّق ضد مُطَلَّقَته أو لِمَكْرِ المُطَلَّقَة بِمُطَلِّقِها على حساب مَصلحة المحضون، بل هي وِلَايةٌ للتربية؛ غرضها الاهتمام بالصغير وضمان مصلحته والقيـام على شئونه، وقد أناطها الشرع الشريف بالأمن على المحضون في شخصه ودِينه وخُلُقه، ومِن جهةٍ أخرى فهي مجالٌ جَيِّدٌ لِتَعْوِيدِ النفس على العطاء والبذل وإنكار الذات.

وتابع: “لذلك فحضانة الأم لأولادها لا تَسلُب الأبَ الحقَّ في تربية أولاده المحضونين وتوجيههم ورعايتهم والإشراف عليهم بما يعود عليهم بالصلاح والنفع في حياتهم، وذلك بولايته الطَبَعِيّة والشرعية عليهم، وهو مُلزَمٌ برعاية اللهِ تعالى فيهم، مِن باب كونه راعيًا ومسؤولًا عن رعيته، فيختار الأنفع والأصلح لهم، والذي من شأنه أن يكفل لهم حياةً كريمة ويهيؤهم لأن يعودوا بالنفع على مجتمعهم”.

وشدد على أنَّ القانون المُنَظِّم للحضانة والمُستَقى مِن الشريعة الغَرَّاء مقصده تحقيق هذا الغرض، ولذلك أيضًا فإنه يجوز للقاضي أن يَسمح للأب باستضافة المحضون في الأيام المناسِبَة لذلك إذا أذنت الحاضنة في ذلك، حسبما يراه القاضي مُحقِّقًا للمصلحة والعدل في ذلك كله؛ إذ القاضي عنده مِن الصلاحية المُخَوَّلة له ما يجعله يقضي بذلك وهو مُرتاحُ الضمير مُطمَئنُّ البال ما دام الهدف مِن ذلك هو تحقيق المَنشود مِن شريعة الحضانة المُحكَمة، ورعاية المحضون على الوجه الأكمل.

الأب غالبًا ما يكون مظلومًا في الرؤية وأحكام الحضانة

على الصعيد القانوني، قالت نهي الجندي، المحامية المتخصصة في قضايا الأسرة وعضو لجنة الحوار الوطني، إن الأب غالبًا ما يكون مظلومًا في الرؤية وأحكام الحضانة، موضحة أن كثيرًا من الرجال يتواصلون معها ويؤكدون شعورهم بالظلم نتيجة قوانين الحضانة الحالية التي تمنح الأولوية للأم أو الجدة.

وأضافت الجندي في تصريحات خاصة، أن ترتيب الأب في الحضانة غالبًا ما يكون في المركز السادس عشر، بينما كان من المفترض أن يكون له دور أكبر، خاصة أنه القوام والمسؤول عن رعاية أطفاله.

وأوضحت أن لجنة الحوار الوطني كانت قد تقدمت بتوصيتين مهمتين بشأن الحضانة، وهما ترتيب الأب في الحضانة، حيث أنه ينبغي أن يحصل الأب على ترتيب رابع في سلم الحضانة بدلًا من المركز الحالي وهو الـ16، بما يعكس دوره الطبيعي في حياة الطفل، إضافة إلى حق الأب في استضافة الأطفال، إذ أنه لا يقتصر الحق على ثلاث ساعات في مركز شباب أو مكان محدد، بل يجب أن يتمتع الأب بحق استضافة أطفاله لفترة كافية وعدد أيام مناسب، باعتباره القوام عليهم، وليس مجرد خيار رمزي.

وشددت الجندي على أن الأب ليس مجرد شخص يُسلب منه أطفاله، بل هو القادر على توفير الرعاية والحماية لهم، خصوصًا للرجال المحرومين من التواصل مع أولادهم، في حين أن الأب غير المهتم أو المتخلي عن مسؤوليته لا يشمله هذا الكلام، مشيرة إلى أن القوانين الحالية تتيح للأم الاحتفاظ بالحضانة إلا في حالات وهي زواجها من شخص غريب أو وقوع أمور تعتبر مسقطًا للحضانة مثل الاتهام بقضايا أخلاق عامة أو الدعارة، إضافة إلى حالات المرض العضال أو الإهمال الجسيم للطفل، مؤكدة أن الأب في هذه الحالات له الحق في إسقاط الحضانة عن الأم.

وتابعت أن المقترحات التي طرحت سابقًا تطالب بترتيب الأب الثاني بدل السادس عشر، لكن الأصل في القانون أن الحضانة تكون للأم لأنها عادةً تتحلى بغريزة الحنان والاهتمام بالأطفال، بينما الأب وظيفته توفير النفقة والرعاية المادية، ولا يُمكن أن يقضي وقته كله في رعاية الأطفال بمفرده.

وأكدت الجندي أن انتشار حالات الطلاق أدى إلى ظاهرة "أطفال الشقاق" الذين يُصبحون ضحايا، مشيرة إلى أن كثيرًا من جرائم الأطفال ومشاكلهم تعود إلى انفصال الأب والأم وغياب الرعاية المشتركة، لذا فهي تدعو إلى تطبيق الرعاية المشتركة الإلزامية بين الأب والأم بعد الانفصال، بحيث يكون لكل منهما دور فعال وحقيقي في حياة الأطفال، وليس مجرد دور شكلي أو محدد بساعات قليلة.

وأوضحت أن الأطفال الذين ينشؤون بعيدًا عن أحد الوالدين غالبًا ما يعانون من آثار نفسية وسلوكية، مثل الانحراف أو المشاكل التعليمية، مؤكدة أن تعديل القوانين لتكون منصفة للأب كما هي منصفة للأم ضرورة اجتماعية وتشريعية لحماية الأطفال واستقرار الأسر.

واختتمت نهي الجندي حديثها بالتأكيد على أن القوانين المصرية بحاجة إلى تعديل عاجل يضمن حقوق الأب في الرعاية والحضانة، مع تطبيق الرعاية المشتركة الإلزامية بعد الانفصال، بما يحقق العدالة للأطفال ويضمن استقرارهم النفسي والاجتماعي، ويقلل من الآثار السلبية للانفصال الأسري على المجتمع ككل.

من جانبه، أكد المحامي عصام الجندي دعمه للمطالب المطروحة بشأن إعادة ترتيب الحضانة بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة بين الأب والأم، مشددًا على ضرورة أن يكون الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في ترتيب الحضانة.

وأوضح الجندي في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن ملف الحضانة يجب التعامل معه من خلال التفرقة بين مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل سن التمييز ومرحلة ما بعد سن التمييز، مشيرًا إلى أن الطفل في السنوات الأولى من عمره يحتاج بطبيعته إلى رعاية الأم، وأن العديد من القوانين حتى في أوضاع استثنائية، مثل حالات وجود الأم في السجن، تسمح ببقاء الطفل مع أمه حتى سن عامين.

وأضاف المحامي عصام الجندي أن الفترة من عامين وحتى سن السابعة تعد مرحلة أساسية في تكوين الطفل، حيث يكون من الطبيعي استمرار وجوده مع الأم باعتبارها الأقرب لرعايته في هذه المرحلة، لكنه شدد على أنه بعد بلوغ الطفل سن التمييز أي بعد "السابعة" يجب أن يكون للأب دور أساسي في الحضانة، مؤكدًا أن التشريعات الحالية لا تمنح الأب موقعًا واضحًا في ترتيب الحاضنين، إذ إن الحضانة في القانون ترتب غالبًا بين النساء من أسرة الأم ثم أسرة الأب.

وأشار الجندي إلى أن هذا الوضع القانوني قد يخلق أحيانًا مشكلات إنسانية معقدة، موضحًا أن الأب قد يحرم من حضانة أبنائه حتى في حالات استثنائية، مثل وفاة الأم، حيث قد تنتقل الحضانة إلى الجدة قبل الأب وفق الترتيب القانوني الحالي.

تم نسخ الرابط