عاجل

الحكومة تواجه موجة الغلاء.. روشتة متكاملة لضبط الأسواق في ظل الحرب |خاص

أحد الأسواق المصرية
أحد الأسواق المصرية

في ظل التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، وضع عدد من الخبراء روشتة للحكومة المصرية عبارة عن مجموعة من الإجراءات الاقتصادية لضمان استقرار الأسواق وحماية المواطنين من أي صدمات محتملة.

أكد الدكتور عز الدين حسانين الخبير الاقتصادي أن الدولة المصرية اتخذت خلال الفترة الأخيرة مجموعة من الإجراءات المهمة التي تستهدف حماية الأسواق وضبط الأسعار لصالح المواطن، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في المنطقة وما قد تفرضه من ضغوط على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار السلع والطاقة.

المبادرات الاقتصادية

وأوضح حسانين في تصريحات خاصة أن الحكومة تحركت بشكل مبكر من خلال عدد من المبادرات الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، ومن أبرز هذه الإجراءات مد فترة الأوكازيونات والتخفيضات الموسمية التي بدأت في 9 فبراير الماضي وكان من المقرر أن تنتهي في 9 مارس الجاري قبل أن تقرر الحكومة مدها مرة أخري، وهو ما يمنح المواطنين فرصة أطول للاستفادة من التخفيضات التي تتراوح بين 20% و25% وتصل في بعض السلع إلى 50%، بل وتصل في بعض الحالات إلى نحو 70%، خاصة في قطاعات الملابس والجلود والأحذية والمنتجات المرتبطة بموسم العيد، وهو ما يسهم في زيادة المعروض في الأسواق وتخفيف الضغوط السعرية على المواطنين.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الدولة لم تكتف فقط بالمبادرات التسويقية، بل اتخذت إجراءات أكثر عمقًا تتعلق بتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الأساسية، حيث أن الحكومة كانت لديها رؤية استباقية منذ الحرب الأولى المرتبطة بإيران، حيث عملت على تكوين مخزون استراتيجي كبير من السلع الأساسية.

وقال إن هذا المخزون يشمل القمح والذرة والشعير والزيوت وعددًا من السلع الغذائية المهمة، موضحًا أن الاحتياطي المتوفر يتراوح بين 4 إلى 6 أشهر في بعض السلع، بينما يمتد في سلع أخرى إلى فترات أطول قد تصل إلى عام كامل، وهو ما يوفر قدرًا كبيرًا من الأمان الغذائي ويحد من تأثير أي اضطرابات في الأسواق العالمية، كما أن الحكومة دعمت هذا التوجه أيضًا من خلال زيادة المعروض من السلع في الأسواق المحلية بأسعار مناسبة، سواء عبر المعارض السلعية أو مبادرات "سوق اليوم الواحد" والمنافذ الحكومية، وهو ما يساعد على مواجهة أي محاولات لرفع الأسعار أو خلق أزمات مصطنعة في الأسواق.

الاعتماد على العقود الآجلة

وأضاف أن من أهم الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة أيضًا الاعتماد على العقود الآجلة في استيراد السلع الاستراتيجية والطاقة، موضحًا أن هذا الأسلوب يتيح تثبيت الأسعار لفترات زمنية تمتد إلى 6 أشهر أو عام كامل، وهو ما يحمي الاقتصاد من تقلبات الأسعار العالمية، موضحًا معنى العقود الآجلة أن الدولة تتفق مسبقًا مع الموردين على سعر محدد للسلع مثل القمح أو النفط، بحيث تظل ملتزمة بهذا السعر طوال مدة العقد، حتى لو ارتفعت الأسعار عالميًا نتيجة الحروب أو الأزمات.

ولفت حسانين إلى أن القمح على سبيل المثال يمكن أن يتم التعاقد عليه بسعر يقارب 250 دولارًا للطن لمدة عام كامل، وبالتالي حتى لو ارتفع السعر عالميًا إلى 300 أو 400 دولار نتيجة الحرب أو الأزمات، تظل الدولة تشتريه بالسعر المتفق عليه مسبقًا، مؤكدًا أن هذه السياسة تحمي الموازنة العامة للدولة من ضغوط مالية كبيرة، وفي حال عدم وجود مثل هذه العقود كانت الدولة ستضطر إلى شراء السلع بالأسعار الفورية المرتفعة، وهو ما كان سيضاعف فاتورة الاستيراد بشكل كبير.

 

وتابع أن مصر كانت تستورد سلعًا استراتيجية بقيمة تقارب 12 مليار دولار سنويًا، ولو تضاعفت الأسعار بسبب الحرب كان من الممكن أن تقفز هذه الفاتورة إلى نحو 24 مليار دولار لنفس الكميات، وهو ما كان سيشكل عبئًا كبيرًا على الميزان التجاري والاحتياطي من العملة الأجنبية، مشيرًا إلى أن الدولة اتخذت أيضًا إجراءات ميدانية لضبط الأسواق من خلال تكثيف الرقابة بالتعاون بين الوزراء والمحافظين، بالإضافة إلى توسيع المعارض والمنافذ السلعية التي توفر المنتجات بأسعار مخفضة.

زيادة المرتبات 

وأضاف لخبير الاقتصادي أن توجيهات القيادة السياسية شددت كذلك على ضرورة التعامل بحزم مع أي محاولات للتلاعب بالأسعار في ظل الظروف الحالية، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى القضاء العسكري في حالات التلاعب الجسيم بالأسواق، مؤكدًا أن هذه الإجراءات مجتمعة تمثل خطوات إيجابية ومهمة للحفاظ على استقرار الأسواق، لكنها تحتاج أيضًا إلى استكمالها بمجموعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي المواطنين من آثار التضخم.

وأوضح أن من بين هذه السياسات ضرورة النظر في زيادة المرتبات خلال الفترة المقبلة لتعزيز القوة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة الجنيه.

وأشار إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى نحو 9 آلاف جنيه قد يمثل خطوة مناسبة في المرحلة الحالية، كما يجب أيضًا رفع الحد الأدنى للمعاشات ليصل إلى نحو 7 آلاف جنيه، لافتًا إلى أنه لا يزال هناك عدد من المعاشات منخفضة القيمة لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الراهنة.

زيادة حد الإعفاء الضريبي 

ودعا إلى زيادة حد الإعفاء الضريبي على المرتبات لفترة مؤقتة قد تمتد إلى ستة أشهر أو عام، موضحًا أن رفع حد الإعفاء إلى نحو 60 ألف جنيه أو حتى 84 ألف جنيه سنويًا سيسمح للموظفين بالحصول على دخلهم كاملًا دون خصومات كبيرة، وهو ما يدعم قدرتهم الشرائية.

وحذر حسانين من ظاهرة التسعير الاستباقي وشراء السلع للتخزين، إذ أن بعض المنتجين بدأوا في تسعير السلع على أساس توقع ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات أعلى مثل 60 جنيهًا، وهو ما يؤدي إلى رفع الأسعار قبل حدوث أي زيادة فعلية في التكلفة، مشيرًا إلى أن بعض المواطنين بدأوا أيضًا في شراء كميات كبيرة من السلع وتخزينها خوفًا من ارتفاع الأسعار مستقبلًا، وهو ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسواق ويرفع الأسعار نتيجة زيادة الطلب.

وشدد على أن هذه الظاهرة تمثل خطورة مزدوجة على السوق، لأن ارتفاع الأسعار قد يأتي من جانب المنتجين بسبب التسعير الاستباقي، ومن جانب المستهلكين بسبب زيادة الطلب والتخزين ويجب أن تتدخل الحكومة والإعلام لتوعية المواطنين بأن السلع متوفرة في الأسواق ولا توجد أزمة حقيقية في الإمدادات، مؤكدًا أن الأسواق المصرية حتى الآن تشهد قدرًا جيدًا من الانضباط السعري وأن أسعار العديد من السلع الغذائية مثل الخضروات والأرز والسكر لا تزال في مستويات مقبولة، ولم تشهد طفرات كبيرة حتى الآن، رغم ارتفاع بعض السلع مثل الدواجن واللحوم بشكل محدود.

تفعيل القوانين المنظمة للأسواق 

وأكد الخبير الاقتصادي أن تفعيل القوانين المنظمة للأسواق يمثل عاملًا مهمًا في ضبط الأسعار، وعلى رأسها قانون حماية المستهلك الذي يتيح فرض غرامات تصل إلى أكثر من مليوني جنيه، بالإضافة إلى غلق المنشآت المخالفة وكذلك تفعيل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، الذي يفرض غرامات قد تصل إلى 500 مليون جنيه على الشركات التي تمارس الاحتكار أو التلاعب بالأسعار إضافة إلى الإعلان بشكل واضح عبر وسائل الإعلام عن تطبيق هذه القوانين بصرامة، حتى يدرك الجميع أن الدولة لن تتهاون مع أي ممارسات تضر بالمواطنين أو بالسوق.

وفيما يتعلق بسعر الصرف، أكد حسانين أن تحريك سعر الجنيه في الفترة الأخيرة يعد أمرًا طبيعيًا ومؤقتًا في ظل الظروف العالمية الحالية، مشددًا على أنه لا يعكس وجود أزمة حقيقية في الاقتصاد.

وأوضح أن مصر تمتلك احتياطيات قوية من النقد الأجنبي تتجاوز 52 مليار دولار، بالإضافة إلى استثمارات أجنبية في أدوات الدين تجاوزت 18 مليار دولار، خرج منها نحو 3.7 إلى 4 مليارات فقط خلال الفترة الأخيرة، بينما لا تزال بقية الاستثمارات موجودة داخل السوق، وهذه المؤشرات تعكس قوة الوضع النقدي، مشددًا على ضرورة أن يخرج البنك المركزي والحكومة بتوضيحات مستمرة للرأي العام لطمأنة المواطنين ومنع عودة السوق السوداء للعملة.

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن استقرار الأسواق يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي توافر السلع، وضبط الأسعار، ووضوح الرسائل الحكومية للمواطنين، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك المقومات اللازمة لتجاوز هذه المرحلة بسلام إذا استمرت السياسات الاقتصادية الحالية بنفس درجة الاستباقية والحزم.

من جانبه أكد الدكتور خالد الشافعي رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية أن مواجهة موجة الغلاء التي تضغط على المواطنين في الوقت الراهن تتطلب حلولًا اقتصادية جذرية، وليس مجرد إجراءات مؤقتة، مشددًا على أن المواطن المصري يواجه ضغوطًا سعرية متزايدة نتيجة عدد من الاختلالات داخل الأسواق، في مقدمتها الاحتكار وجشع بعض التجار وغياب الآليات المنظمة لتداول السلع.

بورصات سلعية وزراعية 

وقال الشافعي في تصريحات خاصة إن المواطن في مصر يعاني بشكل واضح من ارتفاع الأسعار في مختلف السلع والخدمات، وهو ما يرجع إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بضعف التنظيم داخل الأسواق، وغياب منظومة واضحة لضبط عملية العرض والتداول، إلى جانب عدم وجود آليات محددة لتحديد هوامش الربح للتجار والمنتجين، موضحًا أول خطوة ضرورية لإصلاح السوق تتمثل في الإسراع بإنشاء بورصات سلعية وزراعية في جميع محافظات الجمهورية، وهذه البورصات يجب أن تكون مرتبطة بقاعدة بيانات متكاملة تتيح للمواطنين والجهات الرقابية الاطلاع على أسعار السلع وآليات تداولها في مختلف الأسواق المصرية.

 

وأضاف أن وجود هذه البورصات سيسهم بشكل كبير في إنهاء حالة العشوائية في تداول السلع، وسيمنع احتكار المعلومات المتعلقة بالأسعار والكميات، كما سيتيح شفافية أكبر في معرفة الأسعار الحقيقية للسلع داخل السوق، كما أن قاعدة البيانات المقترحة يجب أن تكون متاحة للجميع، بحيث توضح سعر كل سلعة في مختلف المناطق، والكميات المعروضة، وهو ما يتيح للمواطنين معرفة السعر الحقيقي ويحد من فرص استغلال التجار أو التلاعب بالأسواق.

تحديد هامش ربح 

وأشار الشافعي إلى أن هذه الخطوة إذا تم تنفيذها ستسهم في القضاء على كثير من مظاهر الاحتكار، كما ستساعد على دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية، وهو ما يمثل مكسبًا اقتصاديًا مهمًا للدولة، ومن بين الإجراءات المهمة أيضًا تحديد هامش ربح لكل قطاع من قطاعات الإنتاج والتجارة، وهذا الأمر يتطلب عقد اجتماعات موسعة تضم اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات والمستثمرين والمصنعين وممثلي القطاعات المختلفة، حيث أنه يمكن من خلال هذه الاجتماعات تحديد نسب ربح عادلة لكل نشاط اقتصادي، بحيث يتم الاتفاق على نسب مختلفة وفقًا لطبيعة كل قطاع، فقد يكون هامش الربح في بعض الأنشطة 10%، بينما يصل في أنشطة أخرى إلى 20% أو 30% أو أكثر وفقًا لطبيعة النشاط وتكاليفه.

 

ولفت إلى أن تحديد هذه النسب سيمنع إطلاق حرية التسعير بشكل كامل داخل السوق، وفي الوقت نفسه لن يكون تسعيرًا جبريًا، بل تنظيمًا لعملية الربح بما يضمن تحقيق التوازن بين مصلحة المنتج والتاجر من جهة، ومصلحة المستهلك من جهة أخرى، وفي حال حدوث أي زيادة في أسعار المواد الخام أو مدخلات الإنتاج، يمكن تعديل الأسعار النهائية وفقًا لنسبة الزيادة الفعلية فقط، دون السماح بزيادات مبالغ فيها أو غير مبررة، موضحًا أن وجود قاعدة بيانات دقيقة للأسعار ومدخلات الإنتاج سيساعد في حساب هذه الزيادات بشكل واضح، والنظام الاقتصادي الحديث يعتمد على نظم رقمية دقيقة قادرة على متابعة كل سلعة منذ دخولها السوق وحتى وصولها إلى المستهلك.

وتابع أن هذه المنظومة الرقمية ستسمح بتتبع حركة السلع داخل الأسواق، بحيث يتم تسجيل الكميات الداخلة والخارجة من الأسواق الرئيسية مثل سوق العبور وغيره من الأسواق، وهو ما يمنع أي محاولات للتلاعب بالكميات أو خلق أزمات مصطنعة في السلع، وهناك العديد من دول العالم تعتمد بالفعل على نظم رقمية متطورة في إدارة أسواق السلع، حيث يتم تسجيل أسعار السلع وتكاليفها وهوامش الربح بشكل واضح، وهو ما يحقق قدرًا كبيرًا من الشفافية والانضباط داخل الأسواق.

وشدد رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية على أن تطبيق هذه المنظومة سيسهم في تحقيق انضباط كبير داخل السوق المصرية، لأنه لن يترك المجال مفتوحًا أمام التجار أو المنتجين لرفع الأسعار بشكل عشوائي، وفي حال تجاوز أي تاجر أو منتج لهامش الربح المحدد أو قيامه بالتلاعب بالأسعار، يجب تطبيق العقوبات الرادعة بحقه، بما في ذلك إحالة المخالفين إلى الجهات القضائية المختصة، تنفيذًا لتوجيهات الدولة بشأن مواجهة التلاعب في الأسواق.

حلولًا مؤقتة أو جانبية 

وفيما يتعلق بالإجراءات التي أعلنت الحكومة أنها تدرسها لدعم المواطنين، ومنها رفع الحد الأدنى للأجور، أوضح الشافعي أن هذه الإجراءات قد تكون مفيدة على المدى القصير، لكنها لا تمثل حلًا جذريًا لمشكلة ارتفاع الأسعار.

وقال إن زيادة الأجور أو المعاشات تمثل حلولًا مؤقتة أو جانبية إذا لم يتم في الوقت نفسه ضبط الأسواق ومنع الزيادات غير المبررة في الأسعار، حيث أنه رفع الأجور قد يخفف الضغوط عن المواطنين لفترة محدودة، لكنه لن يكون كافيًا إذا استمرت الأسعار في الارتفاع بنفس الوتيرة، مشيرًا إلى أن بعض السلع الأساسية شهدت زيادات كبيرة، مثل اللحوم التي وصلت أسعارها في بعض الأحيان إلى نحو 500 جنيه للكيلوجرام.

وأضاف أن بعض التجار يبررون هذه الزيادات بظروف الحرب العالمية أو الأزمات الدولية، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررًا لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه داخل السوق المحلية، فالحل الحقيقي يتمثل في وضع سياسات اقتصادية عملية قادرة على ضبط الأسواق ومنع استغلال المواطنين، مشددًا على ضرورة مواجهة الاحتكار وجشع بعض التجار بشكل حاسم.

تم نسخ الرابط