ما تسمعه وتراه من مواقف مصرية خفيفة الظل ممزوجة بذكاء اللحظة وسرعة الرد والبديهة ليس مجرد سلوك عادى بل إنه جين وراثى . فالتاريخ يحكى عن فطنة المصرى وذكاءه النافذ وخروجه من أكثر المواقف حرجا بسرعة بديهته وردود أفعاله التلقائية الذكية .فقد كان المصريون اول من اجادوا قصف الجبهة.وفي ذلك أمثلة كثيرة ومنها عندما ذهب شاعر مصرى قديم الى أحد الولاة كما كان معهودا فى تلك الحقبة من توافد الشعراء من مختلف الاماكن والمنافذ الى قصر الوالى ومديحه بكلمات منمقة يجزل لهم من بعد سماعها العطاء والمال الوفير وكل بقدر ماأحدثه كلام الشاعر من بهجة وسعادة للوالى .. وجاء شاعرنا ليقدم شعره للوالي الجديد، وصال وجال فى الوصف والاعلاء بمكانة الوالى وخلقه وقدره ومكانته ، الغريب أن الشاعر لاحظ أن أعين الشعراء السابقين له واللاحقين يملأها الغل والغيظ ، وسمع همهمات بأنهم قد أساءوا له وقالوا للوالى عليه كلام سيء خوفا من أن يجزل له الوالى العطاء ويسحب منهم مايتمنونه وينتظرونه ، فلما انتهى شاعرنا من قصيدته وكان من المفروض ان يقدم له الوالي حُلة من حُلله تشريفا لقصيدته كما كان متبعا حينذاك ، ولكن الوالي الجاهل لغويا المشحون من المحيطين بالباطل قام بفعلة عجيبة والبس الشاعر "بردعة حمار" سخرية منه ومن شعره. والعجيب ان الشاعر المصرى لم يقــاوم وارتدى البردعة عن طيب خاطر مما أثار دهشة الوالى والموجودين فى قصره الغريب والقريب .وخرج الحراس بالشاعر كى يزفونه فى الشارع أو ماكان يعرف حينها " بالتجريسه " ولكن وللعجب العجاب والاعجب منه ان الشاعر مشى في الشوارع بتلك البردعة؛ وكلما مر على جمع من الناس وضحكوا عليه، قال لهم: ذهبت إلى الوالي فمدحته بشعري فالبسني حلة من حلله. وصار يردد هذه الجملة طوال مسافة سيره مما جعل الموجودين يستلهمون من كلامه فكرة أراد أن يرد بها مافعله معه الوالى أضعافا مضاعفة ، وبالفعل فانقلب السحر على الساحر ؛ فلما أراد جنود الوالي النزول للشوارع لجمع الضرائب، وجدوا الاهالي قد وضعوا البرسيم أمام بيوتهم بدلا من اموال الضرائب ؛ والأكثر من ذلك كلما مر الجنود على جمع من الناس سمعوا منهم اصوات نهيق حمير .فعادوا للوالي يحكون له مايصير ويؤكدون أنهم قد فشلوا في جمع الضرائب. الوالى وقع فى حيص بيص واستشار مستشاريه فقالوا له ان هذه المشكلة مستعصية ونتيجة لما فعلته مع الشاعر المصرى الذى صار بين الناس ووصف لهم ماأجبرته على ارتداءه بانه واحدة من ملابسك ، ولذا فقد قال للجميع بصورة مخفية أن يردوا عليك بنفس طريقتك مع الشاعر ويعطوا جنودك برسيما بدلا من الاموال ويعبروا بطريقة النهيق الحميرى عن ردة فعلهم عندما يمر بهم الجنود كطريقة مبتكرة استشفوها من طريقة استهزاء الشاعر بفعلتك معه ، ونصحوه بأن يكون الداء من نفس الدواء وان تحل تلك المشكلة بتراجع الوالي "الجاهل " عن فعلته ويستدعى الشاعر ويحسن استقباله واكرامه والباسه حلة من أغلى حلله، ليس هذا فقط بل وأن يصطحبه الوالى بنفسه ويطوف به فى أنحاء المدينة تكريما له وردا لهيبته ..
موهبة قصف الجبهة منشأها مصر وانتشرت بين بعض الشعوب الأخرى فمنهم من اجادها ومنهم من فشل فيها.واعتقد ان الإيرانيين ممن اجادوها
على الاقل في هذه الحـرب التى لايعرف ختامها ولكنها تسير بطريقة الشاعر والوالى وعلينا انتظار وترقب النهايات .