حكاية عشق نجيب محفوظ لكوكب الشرق.. وعلاقتها بليلة الخميس في حياة أديب نوبل
يكن صوت أم كلثوم مجرد طرب يمر في حياة الأديب الكبير نجيب محفوظ، بل كان جزءًا من ذاكرته الشخصية ووجدان عصره، حتى تسلل إلى رواياته وصفحات عالمه الأدبي، فكما وثّق محفوظ حياة المصريين في الحارة والشارع والمقهى، كان صوت كوكب الشرق حاضرًا في الخلفية، كعلامة زمنية وروحية لعصر كامل.
في شهادات متفرقة نقلها الأديب يوسف القعيد، يتكشف جانب إنساني طريف من علاقة محفوظ بأم كلثوم، فقد كان الروائي الكبير يرى فيها ظاهرة فنية استثنائية، بل كان يؤمن أن أم كلثوم ومعها الموسيقار محمد عبد الوهاب يمثلان آخر عمالقة الغناء العربي، وكان يقول لأصدقائه، بنبرة لا تخلو من أسى، إن ما جاء بعدهما لا يرقى إلى ذلك المجد الفني، وأن الزمن الذهبي للأغنية العربية قد انقضى.
لحظة الطرب الخالص
لم يكن إعجاب محفوظ بأم كلثوم مجرد تقدير فني من بعيد، بل تحول إلى طقس يومي في حياته، فقد اعتاد، مع مجموعة من أصدقائه، أن يجوب شوارع القاهرة ليلًا في جولات طويلة داخل سيارة صغيرة، يستمعون خلالها إلى تسجيلات أم كلثوم القديمة. كانت تلك الجولات تمتد أحيانًا إلى طريق مصر–الإسكندرية الصحراوي، لا بقصد السفر، بل هروبًا من صخب المدينة، واحتفاءً بلحظة الطرب الخالص.
وكان محفوظ من رواد حفلات أم كلثوم الشهرية، يعرف تفاصيلها كما يعرف تفاصيل حارات القاهرة. يعرف أسعار التذاكر، وأماكن الجلوس، ووجوه “السميعة” الذين يحرصون على حضور كل ليلة من لياليها. ومع مرور الوقت، تحولت ليلة الخميس – ليلة حفلات أم كلثوم – إلى موعد شبه مقدس في حياته، ينتظره كما ينتظر عشاق الطرب في مصر والعالم العربي.
بلغ إعجاب محفوظ بكوكب الشرق حدًا أبعد من مجرد الاستماع، فقد انعكس في اختياراته الشخصية داخل بيته. إذ سمّى ابنته الكبرى «أم كلثوم»، بينما حملت ابنته الصغرى اسم «فاطمة»؛ وهو اسم والدة المطربة الشهيرة، وكذلك اسم والدة نجيب محفوظ نفسه. هكذا امتزجت الذكرى العائلية بالإعجاب الفني، وتحول الحب إلى اختيار حياة.
ورغم هذا الإعجاب الكبير، فإن اللقاء المباشر بين نجيب محفوظ وأم كلثوم لم يحدث إلا مرة واحدة فقط. كان ذلك خلال احتفال أقيم بمؤسسة الأهرام بمناسبة عيد ميلاد محفوظ، حيث حضرت أم كلثوم وألقت كلمة في المناسبة.
وقد تركت هذه اللحظة أثرًا عميقًا في ذاكرة الأديب الكبير، الذي وصفها لاحقًا بأنها صاحبة شخصية قوية وكاريزما طاغية، إلى جانب بديهة حاضرة وروح مصرية أصيلة.
ولم يتوقف حضور أم كلثوم عند حدود الحياة الشخصية لمحفوظ، بل امتد إلى عالمه الروائي، ففي عدد من أعماله، مثل رواية خان الخليلي وملحمة الثلاثية ثم ميرامار، يظهر صوت أم كلثوم كجزء من الخلفية الاجتماعية التي تتحرك فيها الشخصيات، ففي «ميرامار» مثلًا، يجتمع سكان البنسيون حول الراديو ليلة حفلها، في مشهد يجسد كيف كان صوتها قادرًا على جمع الناس، بمختلف طبقاتهم وأعمارهم، حول لحظة طرب واحدة.
حتى في أعماله المتأخرة، ظل صوت أم كلثوم حاضرًا في ذاكرة محفوظ. فقد بدأ روايته صباح الورد بكلمات مستلهمة من إحدى أغانيها الشهيرة: «يا عشرة الماضي الجميل»، في إشارة رمزية إلى زمن كان الطرب فيه جزءًا من روح المجتمع، هكذا لم تكن أم كلثوم بالنسبة لنجيب محفوظ مجرد مطربة عظيمة، بل كانت علامة على عصر كامل.