شلة الأنس في حضرة نجيب محفوظ..سهرة رمضانية تكشف أسرار الأدب والسياسة
في ليلة رمضانية ممتدة بين الإفطار والسحور، اجتمعت «شلة الأنس» حول عميد الرواية العربية نجيب محفوظ بدعوة من الكاتب الساخر محمود السعدني، في لقاء استثنائي سجله الكاتب يوسف القعيد في كتابه «نجيب محفوظ.. ثرثرة محفوظية على النيل»، لم تكن السهرة مجرد دردشة عابرة، بل كانت جلسة مكاشفة نادرة، انفتحت فيها الذاكرة على السياسة والأدب والصحافة، واختلط فيها الخاص بالعام، والضحك بالقلق، والتاريخ بالراهن.
مرض السكر وموعد بعد الإفطار
بدأت الحكاية حين علم محفوظ أن السعدني أُصيب بمرض السكر، بادر بالاتصال للاطمئنان، واتفقا على لقاء بعد الإفطار، ورغم أن محفوظ لم يكن يميل إلى تغيير عاداته أو الذهاب إلى أماكن جديدة، فإن إصرار السعدني حسم الأمر، انتقلت الجلسة من الأهرام إلى «مندرة» إبراهيم نافع بشارع الملك فيصل، حيث امتد الحديث حتى السحور.
منذ اللحظة الأولى بدا محفوظ متحفظًا، كعادته مع الأمكنة الجديدة والوجوه الكثيرة، لكنه ما لبث أن انساب في الحديث، بينما تولى السعدني إشعال الجلسة بخفة ظله المعهودة، كان الحضور خليطًا من أهل الصحافة والفكر والسياسة، من بينهم مصطفى الفقي وعبد المجيد محمود وجمال الغيطاني وتوفيق صالح، وغيرهم من أبناء جيلين التقوا حول «الأستاذ».
محفوظ وعبد الناصر.. حكاية دقيقتين
في واحدة من أبرز لحظات السهرة، استعاد محفوظ لقاءه الوحيد بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كان ذلك أثناء افتتاح مبنى الأهرام الجديد، حين قال له عبد الناصر: «لم أقرأ لك شيئًا منذ فترة.. ألم تكتب عملاً جديدًا؟»، وقبل أن يرد محفوظ، تدخل محمد حسنين هيكل قائلًا إن الأهرام ستنشر له قريبًا رواية «من اللي بتودي في داهية» فجاء رد عبد الناصر ضاحكًا: «توديك أنت في داهية».
الحكاية، على خفتها، تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف في تلك المرحلة؛ علاقة لا تخلو من ودّ، ولا تنفصل عن الحذر، يؤكد محفوظ أنه نشر أعظم أعماله في زمن عبد الناصر، وحصل على أبرز جوائزه آنذاك، وأن ازدهاره الأدبي تزامن مع الحقبة الناصرية، رغم كل ما أثير حول بعض أعماله.
مع السادات.. ورقة لم تُقرأ
أما مع الرئيس الراحل أنور السادات، فقد روى محفوظ واقعة أخرى أكثر دلالة، خلال اجتماع تحضيري قبل المؤتمر الوطني، كتب ورقة طالب فيها بالإفراج عن المعتقلين، خاصة الشيوعيين، وتحدث عن ضرورة معالجة ملف الأقباط بحكمة وعدل، لاحظ أن الجلسة رُفعت دون تلاوة ورقته، وبعد انتهاء الاجتماع، استدعاه السادات إلى مكتبه، وأخرج الورقة أمامه، وقال مازحًا عبر إحسان عبد القدوس: «لو كنت قلت اللي فيها، كنت خرجت من الاجتماع على سيوة».
تأثر محفوظ من الموقف، ورأى فيه حرصًا شخصيًا من السادات على حمايته من عواقب سياسية محتملة، ظل يعتبر هذا التصرف «دينًا في عنقه»، في دلالة على حساسية موقع الكاتب حين يقترب من دوائر القرار.
القراءة.. ذاكرة تتكئ على الآخرين
حين سُئل محفوظ عن قراءاته، اعترف بأن ضعف البصر لم يعد يسمح له بالقراءة كما في السابق، صار يعتمد على من يقرأ له العناوين المهمة في الصحف، وبعض النصوص الأدبية، استعاد أسماء من قرأ لهم من جيل الستينيات، مثل جمال الغيطاني ويوسف أبو رية وسعيد الكفراوي والمنسي قنديل ومحمد المخزنجي.
لم يكن يتحدث بصفة «الأستاذ» الذي يمنح شهادات، بل بروح القارئ الذي يفرح بالاكتشاف، وفي حديثه عن الأدب العربي، أشار إلى إعجابه بروح السخرية لدى إميل حبيبي، وتوقف عند تجربة غسان كنفاني، مستعيدًا تحويل رواية «رجال في الشمس» إلى فيلم «المخدوعون» على يد توفيق صالح.
أول أجر.. ومفارقة «الرسالة»
من أطرف ما قيل في السهرة حكاية أول أجر حصل عليه محفوظ، نشر قصصه الأولى في مجلة «الرسالة» التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات، ولم يكن يعلم أن المجلة تدفع مكافآت. في نهاية العام، بحثت الإدارة عنه لأن الميزانية بها «بند زائد» يخص مكافأته! تسلم المبلغ، وأنفقه في سهرة نهاية الأسبوع.
كان ذلك زمنًا يُنشر فيه الأدب أحيانًا بلا مقابل، ويعيش الكاتب على هامش السوق، لا في قلبه، أشار محفوظ بمرارة إلى أن أجور الكتاب لا تكفي ليعيش كاتب من كتابته وحدها، في إشارة إلى أزمة بنيوية في علاقة الثقافة بالاقتصاد.
السفر.. قرارات من الخارج
على عكس ما قد يتوقع البعض، لم يكن محفوظ محبًا للسفر، سافر إلى يوغوسلافيا بقرار رسمي في أوج العلاقات مع تيتو وحركة عدم الانحياز، وسافر إلى اليمن بقرار من المشير عبد الحكيم عامر، وكتب بعدها قصة «ثلاثة أيام في اليمن»، أما سفره إلى لندن فكان بقرار طبي لإجراء جراحة.
كان يخشى كسر عاداته، ويهاب الجديد، ويحتاج إلى وقت طويل ليألف مكانًا أو وجوهًا، السفر عنده لم يكن نزوة اكتشاف، بل ضرورة تفرضها الظروف.
بين الأمس واليوم.. كلمة السر «السرعة»
في وصلة بالغة الدلالة، تحدث محفوظ عن «السرعة» بوصفها الكلمة التي غيرت كل شيء، قارن بين مقرئي القرآن في زمن الشيخ ندا، الذين كانوا يستغرقون وقتًا طويلًا في «التسخين»، وبين إيقاع اليوم اللاهث، قارن بين كرة القدم قديمًا، حيث كان «ترقيص الخصم» متعة في حد ذاته، وبين هوس تسجيل الهدف بأسرع وقت.
لم يكن يحنّ إلى الماضي بقدر ما كان يرصد تحولات الإيقاع الاجتماعي، ويرى أن أزمة العصر تكمن في انقطاع نقل الخبرة، وغياب علاقة “د«الأسطى والتلميذ» التي صنعت استمرارية الحرفة المصرية.
مصر.. قلق المثقف وأمل الدور
في ختام السهرة، بدا محفوظ قلقًا على مصر أكثر من أي وقت مضى، تحدث الحاضرون عن المخاطر الداخلية، عن الإرهاب، وعن التغيرات الإقليمية بعد اتفاق غزة–أريحا، وعن تضخيم الدور الإسرائيلي مقابل التقليل من الدور المصري، كان يرى أن لمصر دورًا مميزًا لا ينبغي التهوين منه، وأن انتماءها العربي يجب أن يُوظف بذكاء، لم يكن قلقه سياسيًا صرفًا، بل حضاريًا وأخلاقيًا، قلق من تآكل المعنى، ومن غلبة الضجيج على الجوهر.
صورة أخيرة قبل السحور
حين تحرك «منبهه الداخلي» معلنًا موعد الانصراف، نهض محفوظ مودعًا، كان سحورٌ أُعد خصيصًا له: جبنة بيضاء، خيار، فول، عيش بلدي، طعمية ساخنة، لكنه لم يقترب من الطعام؛ فالألفة مع الجديد تحتاج عنده إلى زمن طويل.
قبل أن يغادر، مرّ على المقهى، وقال إنه يود سماع «الأخبار الحقيقية»، لا تلك التي تنشر، كان يبحث عن تفسير عميق لما يجري، عن تحليل يطمئنه أو يزيده وعيًا بحجم التحدي، هكذا انتهت السهرة، لا كجلسة حنين إلى الماضي، بل كمرآة لزمن بأكمله. في حضرة نجيب محفوظ، لم تكن الثرثرة مجرد كلام عابر، بل شهادة حية على علاقة الأدب بالسلطة، وعلى قلق المثقف المصري وهو يراقب وطنه في مفترق طرق.