عاجل

بعد إغلاق مضيق هرمز.. ما هي بدائل إمدادات الطاقة في العالم؟

مضيق هرمز
مضيق هرمز

في ظل الأزمة الراهنة وتهديدات غلق مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة لإمدادات النفط والغاز العالمية، تواجه أسواق الطاقة حالة من الترقب والقلق الشديد، يعتمد العالم بشكل كبير على النفط والغاز الذي يمر عبر هذا المضيق، خاصة من دول الخليج ومنطقة بحر العرب، ما يجعل أي توقف أو تهديد لحركة الملاحة البحرية تأثيره فوريًا على الأسعار العالمية واستقرار أسواق الطاقة.

بدائل إمدادات الطاقة 

ومع ذلك، هناك بدائل جزئية قائمة وخطوط إمداد بديلة على البر والبحر، لكنها محدودة في قدرتها ولا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات العالمية، ومن أبرزها خطوط الأنابيب الداخلية في السعودية والإمارات وقطر، وخطوط الشحن عبر رأس الرجاء الصالح، بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية لتأمين إمدادات من روسيا ودول أخرى. ومع ذلك، فإن هذه البدائل تتطلب وقتًا طويلًا وتكلفة مرتفعة لتلبية الاحتياجات الفعلية، ما يجعل العالم أمام تحدٍ كبير للحفاظ على استقرار الطاقة والأسواق خلال هذه الفترة الحرجة.

غلق مضيق هرمز يمثل أزمة عالمية معقدة

أكد الدكتور جمال القليوبي، خبير البترول وأستاذ هندسة البترول والطاقة، أن أي تصعيد في منطقة الخليج أو إغلاق محتمل لمضيق هرمز يمثل أزمة عالمية معقدة، وليست مجرد مشكلة إمدادات عابرة يمكن تعويضها بسهولة.

وأوضح القليوبي في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن الكميات التي تمر عبر مضيق هرمز تمثل ثقلاً رئيسيًا في سوق الطاقة العالمي، مشيرًا إلى أن دول الخليج المطلة على بحر العرب والعضو في منظمة أوبك تنتج نحو 28 مليون برميل يوميًا، يخرج منها ما يقرب من 21 مليون برميل عبر المضيق، وهو رقم ضخم يصعب تعويضه من أي منطقة أخرى في العالم.

بدائل سريعة لتعويض الإمدادات

وأضاف "القليوبي" أن الحديث عن بدائل سريعة لتعويض هذا الحجم من الإمدادات غير واقعي، موضحًا أنه حتى في حال رفع العقوبات عن روسيا وتشغيلها بكامل طاقتها، فلن تتمكن من زيادة إنتاجها بأكثر من مليوني برميل يوميًا فوق إنتاجها الحالي البالغ نحو 9 ملايين برميل، وهو ما لا يغطي سوى جزء محدود من العجز المتوقع، الذي قد يتجاوز 18 مليون برميل يوميًا.

وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة إلى أن خطورة الأزمة لا تتوقف عند احتمال تعطيل الملاحة في المضيق، سواء نتيجة استهداف سفن أو وقوع حوادث تعرقل الحركة، بل تمتد إلى احتمالات استهداف البنية التحتية النفطية في بعض دول الخليج، بما في ذلك المصافي وحقول الإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى توقف جزء من الإنتاج نفسه، وليس فقط تعطيل التصدير.

وأكد خبير البترول، أن دول الخليج تمثل نسبة مؤثرة من احتياجات العالم من النفط والغاز، لافتًا إلى أن المنطقة لا تصدر فقط النفط الخام، بل كذلك نحو 122 مليون طن من الغاز المسال سنويًا، وهي كميات لا يمكن تعويضها بسهولة في الأجل القصير، ما يعني أن الاقتصاد العالمي سيتحمل تداعيات قاسية حال تفاقم الأزمة.

البدائل المتاحة محدودة للغاية

وأوضح أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن البدائل المتاحة حاليًا محدودة للغاية، فهناك خط أنابيب يربط الإمارات بسلطنة عمان بطاقة ضخ لا تتجاوز 1.7 مليون برميل يوميًا، وخط من السعودية إلى ينبع بطاقة تقارب 4 ملايين برميل يوميًا، بالإضافة إلى خط كركوك–جيهان عبر تركيا بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يوميًا. وهذه المسارات مجتمعة لا توفر أكثر من 6 ملايين برميل يوميًا، أي أقل بكثير من حجم الصادرات التي تمر عبر المضيق.

يجب التوسع في خطوط الأنابيب البرية

وشدد القليوبي على أن أي حلول استراتيجية بديلة، مثل التوسع في خطوط الأنابيب البرية أو إنشاء مسارات جديدة عبر أراضٍ مجاورة، ستحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت لا يقل عن ثلاث سنوات، فضلاً عن ترتيبات أمنية ودفاعية مشتركة لحماية البنية التحتية، مؤكدًا على أن العالم أمام معادلة صعبة؛ فتعطيل مضيق هرمز أو تضرر منشآت الإنتاج الخليجية لن يسبب أزمة إقليمية فقط، بل سيؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة وارتفاعات حادة في الأسعار، مع تأثير مباشر على النمو الاقتصادي العالمي.

ومن جانبه أكد الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي والأمن القومي، أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز يجب أن يُقرأ في إطار أوسع من مجرد تعطيل ممر ملاحي، موضحًا أن المضيق لم يُغلق رسميًا حتى الآن بقرار عسكري مباشر، لكن ما حدث فعليًا هو “إغلاق غير معلن” فرضته شركات التأمين البحري نتيجة المخاطر الأمنية، ما دفع العديد من السفن إلى التراجع خشية التعرض للاستهداف أو ارتفاع تكلفة التأمين بشكل مبالغ فيه.

فرض سيطرة على مسارات إمدادات الطاقة

وأوضح الشريف، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الولايات المتحدة تحاول إرسال رسالة مفادها أن المرور عبر المضيق لا يزال ممكنًا تحت الحماية الأمريكية، وهو طرح يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز مسألة تأمين الملاحة، ليصل إلى محاولة فرض سيطرة على مسارات إمدادات الطاقة، خصوصًا تلك المتجهة إلى الصين، التي تعتمد بشكل أساسي على الخطوط البحرية في وارداتها من النفط والمواد الخام اللازمة لصناعتها.

وأشار إلى أن واشنطن تدرك أن التهديد الأكبر للأمن القومي الصيني يكمن في خطوط الإمداد البحرية، سواء ما يتعلق بالصادرات الصينية أو وارداتها من الطاقة، لذلك فإن أي توتر في الخليج يمثل ضغطًا مباشرًا على بكين. ولفت إلى أن الصين تحركت مبكرًا خلال الأشهر الماضية برفع احتياطياتها النفطية إلى مستويات غير مسبوقة، إلى جانب توسيع تعاقداتها مع روسيا لتأمين إمدادات مستقرة من النفط والغاز في ظل العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وهو ما وفر منفذًا آمنًا للصادرات الروسية في المقابل.

طريق رأس الرجاء الصالح

وأكد استشاري الاقتصاد السياسي والأمن القومي، أن البديل البحري الوحيد حال تعذر المرور عبر الخليج هو طريق رأس الرجاء الصالح، لكنه يظل حلًا مكلفًا ويزيد زمن الشحن بنحو 15 إلى 20 يومًا، دون أن يحل المشكلة الأساسية، وهي كيفية خروج النفط نفسه من منطقة الخليج في ظل التهديدات الأمنية.

وأوضح الشريف، أن الأزمة الحقيقية ليست فقط في مسار النقل، بل في توافر الكميات ذاتها، إذ إن دول الخليج تمثل ما بين 25 و30% من إمدادات الطاقة العالمية. وإذا طال أمد الأزمة، فقد تتجاوز أسعار النفط حاجز 120 دولارًا للبرميل، ما سينعكس بحدة على معدلات التضخم والاقتصادات المستوردة للطاقة حول العالم.

بدائل مضيق هرمز

وفيما يتعلق بالحلول، أشار استشاري الاقتصاد السياسي، إلى وجود بدائل جزئية يمكن أن تخفف من حدة الأزمة، من بينها خطوط الأنابيب الممتدة داخل السعودية من الشرق إلى الغرب وصولًا إلى موانئ البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. كما لفت إلى أهمية خط أنابيب “سوميد” في مصر، الذي ينقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، مؤكدًا أن تعزيز استخدامه قد يمنح مصر ميزة استراتيجية واقتصادية في ظل الظروف الراهنة.

الصراع الجيوسياسي معقد يتجاوز مجرد إغلاق مضيق

وأضاف استشاري الاقتصاد السياسي، أن هناك إمكانية لتوسيع أنماط النقل المختلط “البحري–البري”، عبر تفريغ الشحنات في موانئ المتوسط ونقلها برًا إلى البحر الأحمر أو العكس، على غرار تجارب سابقة، وهو ما يعزز من أهمية الموقع الجغرافي المصري في إدارة الأزمات اللوجستية.

 

وأكد الشريف أن الولايات المتحدة لن تكون الأكثر تضررًا من الأزمة، نظرًا لانخفاض اعتمادها المباشر على نفط الخليج، خاصة بعد تنويع مصادرها وزيادة إنتاجها، بينما ستكون آسيا وأوروبا الأكثر عرضة للضغط، مؤكدًا على أن المشهد الحالي يعكس صراعًا جيوسياسيًا معقدًا يتجاوز مجرد إغلاق مضيق، ليصل إلى إعادة رسم موازين النفوذ في أسواق الطاقة العالمية، مشددًا على أن إدارة الأزمة ستحدد شكل التحالفات الاقتصادية والأمنية خلال السنوات المقبلة.

 

تم نسخ الرابط