لماذا تصمت الصين وروسيا بشأن الحرب الإيرانية؟.. خبراء يجيبون لـ «نيوز رووم»
وسط التوترات المتصاعدة في إيران بعد اغتيال المرشد الإيراني، يثير صمت كل من الصين وروسيا دهشة المراقبين، لكنه في الواقع صمت محسوب ومتكيف مع مصالحهما الاستراتيجية، فالبلدان تمارس سياسة دعم سياسي ودبلوماسي لطهران دون الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية، تجنبًا لصدام مباشر مع الولايات المتحدة، وللحفاظ على مصالحهما الاقتصادية في الطاقة والتجارة.
الصمت الصيني والروسي بشأن الحرب
ويشير الخبراء إلى أن الصمت الصيني والروسي لا يعني اللامبالاة، بل هو جزء من استراتيجية دقيقة تقوم على التدخل تحت عتبة الحرب، عبر دعم لوجستي وتقني ودبلوماسي لإيران، مع مراقبة المشهد عن كثب لتجنب أي انزلاق نحو مواجهة عالمية قد تهدد مصالحهما الحيوية في المنطقة.
الموقفين الروسي والصيني واضحان
ومن جانبه أكد اللواء محمد عبد الواحد أن الموقفين الروسي والصيني تجاه الحرب الدائرة واضحان في مضمونهما، حتى وإن بدا المشهد وكأنه صمت، موضحًا أن ما يحدث ليس غيابًا للدور، بل تعاون غير معلن يتمثل في دعم لوجستي واستخباراتي وتكنولوجي، دون انخراط عسكري مباشر حتى الآن.
وأشار عبد الواحد، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، إلى أن هناك أشكالًا من التعاون الفني، خاصة في مجالات التقنيات العسكرية وأنظمة الوقود الصلب والبطاريات، لكنه شدد على أن التعاون العسكري العلني من جانب الصين مستبعد في الوقت الراهن، نظرًا لحرص بكين على تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. كما أن روسيا، بحسب تقديره، منشغلة بشكل كامل بحربها في أوكرانيا، ولا تمتلك في هذه المرحلة القدرة الاستراتيجية على فتح جبهة صراع جديدة.
تهيئة البيئة الدولية سياسيًا ودبلوماسيًا
وأوضح الخبير العسكري أن الولايات المتحدة، قبل اتخاذ قرارات بحجم الدخول في حرب، تعمل على تهيئة البيئة الدولية سياسيًا ودبلوماسيًا، من خلال إبلاغ القوى الكبرى بخطواتها، وإيصال رسائل واضحة تتضمن تحذيرات بعدم التدخل، وهو نهج اعتادت واشنطن اتباعه ونجحت فيه في مرات عديدة.
ورغم ذلك، يرى اللواء عبد الواحد أن احتمال تدخل روسيا والصين قائم، لكن بشروط محددة. فإيران – بحسب وصفه – أظهرت جرأة واضحة في استهداف مصالح وأهداف أمريكية في المنطقة، وتسعى إلى كسر الهيبة الأمريكية. وهنا تراقب موسكو وبكين المشهد بدقة، فإذا تبين لهما أن طهران قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بالولايات المتحدة، فقد يتغير مستوى الدعم من غير مباشر إلى تدخل عسكري محسوب، في إطار محاولة لاستنزاف القدرات الأمريكية في الشرق الأوسط.
الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة
وختم حديثه بالتأكيد على أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يمثل جزءًا من استراتيجية احتواء النفوذ الروسي والصيني، ما يجعل أي تطور في مسار الحرب عاملًا مؤثرًا في حسابات القوى الكبرى، ويُبقي كل السيناريوهات مفتوحة وفقًا لمعادلة الخسائر والمكاسب على الأرض.
قالت الدكتورة تمارا الحداد الكاتبة والمحللة السياسية، إن الحديث عن “صمت” صيني أو روسي تجاه الحرب الدائرة في إيران ليس دقيقًا، موضحة أن ما يجري هو صمت عسكري مقابل نشاط سياسي محسوب.
الصين وروسيا لا ترغبان في الانخراط في مواجهة عسكرية
وأوضحت الحداد، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن كلًا من الصين وروسيا لا ترغبان في الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنهما في الوقت ذاته تدعمان إيران سياسيًا ودبلوماسيًا، دون اعتبار الدفاع العسكري عنها التزامًا ملزمًا.
وأضافت المحللة السياسية، أن موسكو وبكين أدانتا الهجمات داخل مجلس الأمن الدولي، وطالبتا بوقف العمليات العسكرية فورًا، كما دعت الصين علنًا إلى خفض التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات بدلًا من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مؤكدة أن العقيدة السياسية الصينية تقوم على مبدأ “دعم بلا حرب”، أي مساندة الشركاء سياسيًا واقتصاديًا دون التورط في تدخل عسكري مباشر، وهو ما يتسق مع استراتيجيتها طويلة الأمد القائمة على توسيع النفوذ دون خوض صراعات مسلحة.
وأكدت الحداد، أن بكين تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية الطاقة والتجارة واستقرار الأسواق، وأي حرب واسعة تهدد هذه المصالح الحيوية، أما روسيا فهي منشغلة بحسابات أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار حرب الاستنزاف في أوكرانيا، وبالتالي فهي حريصة على تجنب فتح جبهة مواجهة ثانية مع الغرب. لذلك تدين موسكو الهجمات، وتعرض الوساطة، لكنها تتجنب التصعيد العسكري المباشر.
شراكة سياسية وعسكرية مرنة
ولفتت المحللة السياسية إلى أن العلاقة بين موسكو وطهران، رغم الاتفاق الاستراتيجي الموقع عام 2025، لا ترقى إلى مستوى حلف دفاع مشترك على غرار حلف شمال الأطلسي، بل هي شراكة سياسية وعسكرية مرنة، وهو فارق جوهري في فهم حدود الالتزام الروسي.
وشددت الحداد على أن المصالح الاقتصادية تمثل أولوية قصوى، فالصين تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني بأسعار مخفضة، وبالتالي فإنها تريد إيران مستقرة، لا ساحة حرب مفتوحة، كما أن أي تصعيد يهدد طرق الطاقة ومبادرة الحزام والطريق والاقتصاد العالمي ككل، مشيرة إلى أن موسكو وبكين تعتمدان ما يمكن تسميته “استراتيجية الدعم تحت عتبة الحرب”، أي تقديم دعم تقني أو معلومات استخباراتية أو تسليح غير معلن، إلى جانب غطاء سياسي دولي، دون إعلان دخول الحرب رسميًا.
التدخل غير مباشر وبدرجة احتمال مرتفعة
وحول احتمالات التدخل خلال الأيام المقبلة، رجّحت الحداد أن يكون التدخل غير مباشر وبدرجة احتمال مرتفعة، عبر ضغط دبلوماسي مكثف لوقف إطلاق النار، وتحركات قوية داخل مجلس الأمن، وربما تسريع تسليم معدات دفاعية ودعم اقتصادي عاجل لإيران.
أما التدخل العسكري المباشر، فاعتبرته احتمالًا ضعيفًا للغاية، ولن يحدث – بحسب تقديرها – إلا في حال انهيار الدولة الإيرانية بالكامل، أو دخول قوات أمريكية برية إلى الأراضي الإيرانية، أو تعرض مصالح عسكرية صينية أو روسية لتهديد مباشر، مؤكدة على أن الصين وروسيا ليستا صامتتين، بل تمارسان سياسة دقيقة تقوم على دعم إيران بالقدر الذي يمنع سقوطها، دون الذهاب إلى حد إشعال حرب عالمية.