ليست قيمة العاشر من رمضان في كونه تاريخاً محفوظاً في الذاكرة الوطنية، بل في كونه لحظة كشفت حقيقة ظلّت غائبة لسنوات: لا وجود لجيشٍ لا يُقهر، ولا لتحصينٍ يستعصي على الإرادة. في ذلك اليوم، لم يكن المشهد مجرد عبور لقناة السويس، بل عبوراً من حالة انكسار نفسي إلى يقينٍ راسخ بأن القوة تُبنى ولا تُمنح.
لسنواتٍ أعقبت نكسة 1967، سادت رواية واحدة في المنطقة: تفوق إسرائيلي مطلق، وخط دفاعي يُدعى “بارليف” قيل إنه عصيّ على الاقتحام. تحولت الفكرة إلى ما يشبه الأسطورة، رددتها مراكز الدراسات ووسائل الإعلام، حتى كادت تصبح حقيقة مسلّماً بها. لكن ما جرى في العاشر من رمضان كان تفكيكاً عملياً لهذه الرواية، لا بالخطابات، بل بالفعل.
الجيش المصري، بإرادة سياسية اتخذت قرار المواجهة بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لم يدخل الحرب بدافع المغامرة، بل بمنطق استعادة التوازن. وعندما انطلقت المدافع معلنة ساعة الصفر، كان الهدف يتجاوز حدود الأرض المحتلة إلى استرداد الثقة في الذات الوطنية.
تحطيم خط بارليف لم يكن مجرد إنجاز هندسي أو عسكري؛ كان رسالة نفسية عميقة. الساتر الترابي الذي قيل إنه لا يُخترق، انهار بفكرة بسيطة وأيدٍ مصرية صلبة. النقاط الحصينة التي وُصفت بأنها عصية، سقطت أمام جنود عبروا القناة وهم يدركون أن المعركة ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي وصورة ذهنية.
بسالة الجنود المصريين لم تكن شعاراً عاطفياً، بل ممارسة على الأرض. ثبات في مواقع القتال، إصرار على تثبيت رؤوس الكباري، وقدرة على امتصاص الصدمة الأولى للعدو. في الساعات الأولى من المواجهة، تبددت صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وظهر أن التفوق ليس قدراً دائماً، بل نتيجة ظرف يمكن تغييره.
العاشر من رمضان، بهذا المعنى، لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل تحوّلاً في قواعد اللعبة. أثبت أن التخطيط المحكم قادر على إسقاط أعقد التحصينات، وأن الروح المعنوية حين تتكئ على إعداد علمي تصبح قوة مضاعفة. لم يكن الهدف صناعة بطولة فردية، بل ترسيخ مفهوم أن العمل الجماعي المنظم يصنع الفارق.
واليوم، تبقى دلالة ذلك اليوم حاضرة في وجدان المصريين: الأساطير تسقط عندما تُختبر، والتاريخ لا يكتبه الأقوى تسليحاً فقط، بل الأكثر إيماناً بقدرته على التغيير. هكذا أصبح العاشر من رمضان علامة فارقة، لا لأنه يوم حرب، بل لأنه يوم استعاد فيه المصريون ثقتهم بأنفسهم، وحطموا بأسلحتهم وإرادتهم معاً أسطورة طالما قيل إنها لا تُكسر.