يتواصل حديثنا ضمن أيقونات رمضانية مع ثامن أيام شهر رمضان مع «السلطان»، فالشيخ الراحل مصطفى إسماعيل كواحد من أصحاب مدارس النغم لا يمكن أن يمضي رمضان أو قرآن السهرة على إذاعة القرآن الكريم دون أن تحيي روحك بسماعه.
«السلطان» كما يعرفه الأزهر هو واحداً من أبرز بناة دولة التلاوة المصرية وصُناع مجدها، تميز الراحل منذ صغره بأداء فذٍّ فى تلاوة كتاب الله عز وجل، وبراعة منقطعة النظير فى التنقل بين أنغامها وألوانها، وحُسن تعبير عن معاني آياتها وكلماتها بصوته وأدائه، ووقفه وابتدائه، وتمكنه في تجويد القرآن الكريم وقراءاته.
ولد ملك المقامات فى 17 يونيو عام 1905 بقرية ميت غزال، مركز السنطة، بالغربية، وأتم حفظ القرآن قبل أن يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ثم التحق بالمعهد الأحمدي ليتلقى علوم التجويد والقراءات.
امتلك الشيخ الراحل مصطفى إسماعيل قدرة نادرة على التنقل بين المقامات جعلته أستاذًا بل ملكًا على عرش فن المقامات، واشتهر في جيله بقارئ الملوك والرؤساء بعد أن اختاره الملك فاروق وفي عقبه نجيب وعبدالناصر وصولًا للسادات الذي اصطحبه في زيارته التاريخية لفلسطين.
غلبني حب سلطان المقرئين مع دقات الـ 11 مساءً بتوقيت القاهرة حيث قرآن السهرة، تلاوات من ربوع العالم؛ لم تلاحقني «ق» من قبل وكأني استمع إليها لأول مرة تتلى وتترد على مسامعي.
تلاوة لم تجعلني سوى تلميذ يبحث بنَهمٍ عن حصة معلمه ينتظر في شوقٍ الإذاعة وهي تعلن عن قارئها لسهرة اليوم، أسبوع تلو الآخر وأنا أفتش عن تلاوة جديدة في وقت لم تتوافر فيه الحفلات والنوادر كما في زماننا الآن إلا عبر شرائط لا تغني ولا تسمن عما تربينا عليه من نوادر الإذاعة.
ومع غضبة البعض مما حدث في قرآن المغرب قبل يومٍ من تلاوة لم يروها تليق بالشيخ وأن هناك الكثير مما يحسن الرجوع إليه، كأن بنا أمام ذات المشهد الذي انهالت فيه الشكوى ضد الإذاعة في عام 1984 حينما امتنعت عن إذاعة صوته لتهاجم وتوصف بعدم القدرة على إقناعه قبل أن يقبل في الأخير بأمر الملك أن يسجل لها، فهل يحسن المسؤولون عن الإذاعة التعامل مع تراث الشيخ كما راعته حيًا؟
ختاما.. غيب الموت في السادس والعشرين من ديسمبر 1987 بعد رؤية تنبأ فيها بالرحيل ومأساة دفعت الرئيس السادات لتحقيق وصيته، ورغم ما يقال في فناء الأجساد تظل أرواح العمالقة محلقة في أرجاء الكون الفسيح، فلله در السلطان وصاحب الصنعة كما يراه «السميعة».