عاجل

لا يمكن قراءة قناعات مايك هاكابي بمعزل عن سِلسال الصهيونية، منذ إرهاصات الفكرة إلى النشأة والتأثير. ففي الفترة التي سبقت مؤتمر بازل عام 1897، كانت محاولات تهجير اليهود المضطهدين في أوروبا الشرقية إلى فلسطين تجري بوتيرة بطيئة، إذ كان معظم الراغبين في الهجرة يفضلون أوروبا الغربية. وكان كتاب “الانعتاق الذاتي” الذي أصدره المفكر اليهودي ليو بنسكر عام 1882 بمثابة أول دعوة صريحة لهجرة اليهود إلى فلسطين خلاصاً من الاضطهاد. وعلى أثر ذلك أُنشئت جمعية “عشاق صهيون” لتتولى تنظيم عمليات الهجرة. ورغم أن إدموند روتشيلد تكفّل بتحمل النفقات، فإن الغالبية العظمى فضّلت الهجرة إلى أوروبا الغربية.

كان لدى غالبية اليهود قناعة بأن فلسطين أرض مقدسة يُذهب إليها للحج لا للإقامة. وتلك كانت حجة إدوين صموئيل مونتاجو، أول وزير يهودي في بريطانيا، حين عارض بشدة إصدار وعد بلفور. وحين لم تحقق تجربة “عشاق صهيون” النتائج المروّج لها، تأسست الحركة الصهيونية. وكما هو واضح، ففي الحركتين دلالة دينية مرتبطة بفلسطين، حيث جبل صهيون.

أخذت الحركة الصهيونية على عاتقها إقناع اليهود بالهجرة لأسباب دينية مقدسة، بهدف بناء مملكة إسرائيل الثالثة. وروّجت في الأوساط اليهودية لفكرة المملكة الممتدة من النيل إلى الفرات بوصفها حقاً مقدساً وواجباً دينياً. وكان ذلك أحد أسباب نجاحها في إنشاء مستوطنات كبيرة في فلسطين قبل قيام إسرائيل.

وحين تنظر إلى الأسس التي قامت عليها إسرائيل، تجد أن جلّها يتكئ على مصدر ديني جرى تأويله بما يخدم الوجود. فكيف يجتمع بشر جاءوا من بيئات متباينة وثقافات متناقضة تحت خيمة دولة واحدة؟ لا بد من صنع خيوط تربط الأسود بالأبيض، والغربي بالشرقي. الدين وحده ليس الرابط الكافي، لكن تحويل الدين إلى قومية — ولو بعملية قيصرية — ثم تحويل القومية إلى دولة، هو ما ساعد على بناء الدولة العبرية.

ومنذ الإرهاصات الأولى للتنظيم الصهيوني، كانت عملية تحويل الدين إلى أداة لخلق حالة وحدة بشرية تجري بتنسيق محكم بين رجال الدين ورجال التنظيم. وهذا ما عبّر عنه حاييم وايزمان في أول لقاء له مع بلفور عام 1906، حين قال إن الحركة الصهيونية تحمل الروح الدينية، ولن يكون لها قيمة أو وجود من دون فلسطين. وبالإلحاح على فكرة نقاء العرق، وشعب الله المختار، والأرض الموعودة، نجحت الحركة في حشد اليهود نحو فلسطين. وهذه هي المرتكزات التي أسست للمجتمع القائم الآن.

صحيح أن إسرائيل لا يمكنها احتلال كل هذه المناطق، لكنها تسعى إلى استبدال الاحتلال بالسيطرة، واستبدال الوجود على الأرض بالنفوذ، وهي تفعل ذلك في عدة بلدان عربية. فالطائرات الإسرائيلية تستبيح أجواء لبنان وسوريا والعراق وغيرها، والجوّ جزء من السيادة. إسرائيل تريد ذلك؛ تريد أن تكون لها الكلمة العليا والذراع الطولى في العالم العربي.

وهذا ما قاله نتنياهو قبل أيام في معرض حديثه عن محور جديد يواجه المحور الشيعي والمحور السني، مستخدماً التعبير التوراتي “من الهند إلى كوش”: “أنا أتحدث عن دائرة كاملة تحيط بالشرق الأوسط وصولاً إلى البحر المتوسط… وأن تكون لنا السيطرة الكاملة”. وليس غريباً أن يقول نتنياهو هذا الكلام، إذ قال علانية قبل أشهر إنه يؤمن بإسرائيل الكبرى.

ومنذ أيام أيضاً قال نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: “ما نحتاجه أن يخاف منا أعداؤنا، ويحترمنا أصدقاؤنا، ويحتاج إلينا الجميع”.

وفي أمريكا يمكنني أن أسوق عشرات الأمثلة، لكن يكفي ما قاله ترامب عن أن مساحة إسرائيل صغيرة، وأنه يفكر في كيفية توسيعها. وقد سبق له أن منحها هضبة الجولان، واعترف بالسيادة الكاملة على القدس.

لم يصدق العرب ما قالته الحركة الصهيونية قبل مائة وثلاثين عاماً، حين كشفت علانية عن نواياها وأهدافها في بناء إسرائيل الكبرى. لم يصدقوا، وأرضهم تبتلع قطعة تلو الأخرى. نحن نصف إسرائيل الكبرى بالخرافة والأسطورة والوهم، وهم يعملون عليها كأنها ستتحقق غداً.

لم يصدقوا ما قاله ممثل الدولة الأمريكية لدى الدولة العبرية من أن من حق إسرائيل أن تسيطر على كامل الشرق الأوسط. وذات الكلام قيل من قبل على لسان توم باراك، سفير أمريكا في تركيا ومبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا ولبنان، الذي اعتبر السلام “وهماً”، وقال إنه لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط، بل “قبائل وقرى”، وإن إسرائيل يمكنها أن تصل إلى أبعد نقطة في المنطقة.

“إسرائيل الكبرى” ليست كلمة يرددها طائفة من المتطرفين، بل هي — بحسب هذا الطرح — رؤية كيان وتنظيم، وليست “زلة لسان” من دبلوماسي أو رجل دين.

تم نسخ الرابط