في زمنٍنا هذا تحوّلت الهواتف إلى شاهدٍ دائم، فلم تعد الأعمال الطيبة تمرّ في صمت. صار لكل فعلٍ عدسة، ولكل مساعدة ضجيج ، ولكل صدقة تعليق وتفاعل ومشاركة. لم يعد الفعل الخيّر علاقةً بين إنسانٍ وربّه… بل أحيانًا بين إنسانٍ وخوارزمية.
كنا نسمع قديمًا أن “الخير في السرّ أصدق”، وأن أجمل العطاء ما كان خفيًّا لا تعلم به اليدٌ الأخرى. اليوم تغيّر المشهد؛ نرى من يمدّ يده لمحتاج بينما تمتدّ اليد الأخرى لتثبيت الكاميرا. نرى من يواسي منكوبًا ويطلب منه أن يعيد المشهد لأن التصوير لم يكن واضحًا. نرى من يطعم جائعًا لكن لا ينسى أن يظهر اسمه، وشعاره، وربما موسيقى مؤثرة في الخلفية.
السؤال هنا ليس إدانةً مطلقة. فبعض نشر الخير قد يكون قدوة، وقد يحفّز غيره على الفعل. وقد يكون وسيلةً لجمع تبرعات أو لفتح أبواب دعم حقيقي. المشكلة ليست في التوثيق ذاته… بل في النيّة التي تقوده، وفي الطريقة التي تُقدَّم بها كرامة المحتاج على طبقٍ المشاهدات.
فحين يتحوّل المحتاج إلى “محتوى”، يفقد جزءًا من إنسانيته. وحين يصبح الألم مادةً للانتشار، يبهت جوهر الرحمة. الخير الذي يُحرج الفقير خيرا منقوصا . والمساعدة التي تُشعر الطرف الآخر بأنه مدينٌ للكاميرا قبل أن يكون مدينًا للقلب، تحتاج مراجعة.
الأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة بدأت تتعلّم شكل الخير لا روحه. يتعلّمون أن العمل الطيب يجب أن يُرى، وأن القيمة تُقاس بعدد اللايكات ، وأن الصمت يعني ضياع الفرصة.
فى اعتقادى ان المجتمع لا ينهار حين يقلّ الخير، بل حين يختلط بالاستعراض حتى لا نعود نميّز بين الصادق والمتاجر. فالنية شأن داخلي لا يملكه إلا صاحبها، لكن أثرها يظهر في التفاصيل: في احترام كرامة المحتاج، في تجنّب إذلاله، في القدرة على العطاء دون ضجيج.
ربما لا نستطيع أن نمنع الكاميرات، ولا أن نوقف زمن المشاركة الفورية. لكننا نستطيع أن نسأل أنفسنا قبل أن نضغط زر التسجيل:
لو لم يرني أحد… هل كنت سأفعل الشيء نفسه؟
لأن أخطر ما قد يصيب الخير…
أن يفقد سرَّه، فيتحوّل من عبادةٍ خفيّة إلى عرضٍ علني