يعبر المسرح العالمي اليوم عن لحظة تحول تاريخي عميق، حيث تتراجع واشنطن ببطء ولكن بثبات عن دور "الشرطي العالمي" الذي تبنته بقوة بعد نهاية الحرب الباردة لا يبدو هذا التحول كقرار مفاجئ أو إعلان رسمي مدوٍّ، بل هو تراكم خفي لندوب الحروب الفاشلة وتكاليفها الباهظة، وتعبير صامت عن إرهاق إمبراطوري واقتصادي، وإعادة حسابات جذرية للمصلحة الوطنية في عصر المنافسة مع الصين لقد أدركت الولايات المتحدة، من خلال دماء جنودها وأموال دافعي ضرائبها في مستنقعات العراق وأفغانستان، أن التدخل العسكري المباشر لفرض نظام سياسي أو تغيير مجتمعات هو لعبة خاسرة بامتياز، تزيد من كراهية أمريكا وتضعفها، ولا تحقق استقراراً دائماً لم يعد الجنرال الأمريكي هو الحاكم الفعلي في عواصم بعيدة، بل تراجع إلى الخلف، ليفسح المجال للدبلوماسي والمخابراتي والتاجر إنها ليست نهاية الهيمنة الأمريكية، بل هي تحول في أدواتها من الغزو العسكري الصريح إلى أشكال أكثر دهاءً وأقل تكلفة من النفوذ.
لذلك، لم يختفِ التدخل الأمريكي من على الخريطة، بل تنكّر وارتدى ثياباً جديدة تحول من حروب الاستنزاف الطويلة بآلاف الجنود إلى "الضربات الجراحية" بطائرات بدون طيار أو عمليات كوماندوس خاطفة، ومن احتلال الأراضي إلى فرض العقوبات الاقتصادية الخانقة التي تذلّ الحكومات وتخنق الشعوب، ومن إرسال قوات إلى تدريب وتسليح قوات محلية "بالوكالة" لخوض المعارك نيابة عنها الأداة العسكرية لم تُهمل، بل تم تحسينها لتكون سريعة وحاسمة ومحدودة الهدف، كآلة للردع والانتقام وليس للبناء والإدارة لقد استبدلت واشنطن منطق "الأقدام على الأرض" بمنطق "اليد الخفية"، حيث تتحرك من خلال الفضاء الإلكتروني لشن هجمات تعطيليه، ومن خلال الأسواق المالية لتوجيه ضربات للاقتصادات، ومن خلال الحملات الإعلامية لتشكيل الرأي العام حتى في أوكرانيا، أكبر أزمة أمنية في أوروبا منذ عقود، التزمت واشنطن بتقديم السلاح والاستخبارات والمال، بينما حافظت على خط أحمر واضح بعدم التدخل المباشر بقواتها، وهو نموذج لما سيكون عليه "التدخل" في المستقبل.
لكن السؤال الأهم هل هذا التراجع الاستراتيجي طوعي أم قسري؟ الحقيقة أنها مزيج من الاثنين فمن ناحية، هو خيار واعي نابع من دروس الماضي وإعادة توجيه الموارد نحو المنافسة الاستراتيجية الكبرى مع بكين ومن ناحية أخرى، هو اعتراف بقوة الواقع الجديد، حيث صعود قوى إقليمية مثل الصين وروسيا وإيران وتركيا خلق حواجز وتكاليف أعلى لأي مغامرة عسكرية أمريكية أحادية الجانب لقد أصبح العالم متعدد الأقطاب بشكل يحرم واشنطن من حرية الحركة التي تمتعت بها في تسعينيات القرن الماضي ومع ذلك، لا تزال أمريكا تحتفظ بالقدرة على التدخل المباشر والساحق عندما تمس مصالحها الحيوية بشكل لا لبس فيه، كما قد يحدث في دفاع عن حليف رئيسي مثل تايوان أو إسرائيل الفارق هو أن هذا التدخل لن يكون لتحقيق حلم أيديولوجي مثل "نشر الديمقراطية"، بل سيكون دفاعاً عن مصلحة قومية محددة وحاسمة.
لذا، فإن الإجابة هي نعم، انتهى عصر التدخل الأمريكي المباشر المتهور والشامل الذي عرفناه في العراق 2003لكنه لم ينتهِ، بل تحول إلى عصر أكثر براغماتية ووحشية في نفس الوقت، حيث تتدخل أمريكا عندما يكون الثمن مقبولاً والمكسب مضموناً ومصالحها على المحك إنها تفضل أن تكون "القوة الخفية" التي توجه الأحداث من خلف الكواليس، على أن تكون الجيش الظاهر الذي يدفع الثمن باهظاً على الأرض المستقبل يحمل استمرار هذه الاستراتيجية قيادة من الخلف، حروب بالوكالة، هيمنة عبر التكنولوجيا والاقتصاد، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري المباشر كورقة أخيرة رهيبة، لا كخيار أولي إنها نهاية عصر، وبداية عصر آخر أكثر تعقيداً، حيث تختفي الأعلام الأمريكية من سماء بعض البلدان، لكن قبضتها قد تكون أقوى في أماكن أخرى بعيدة عن أنظار العالم