«دولة التلاوة».. أستاذ تاريخ يكشف سر الصوت الذي صنع روح رمضان بمصر
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن شهر رمضان في مصر لم يكن يوما مجرد محطة عابرة في التقويم، بل حالة حضارية وروحية متكاملة تدخل البيوت بهدوء وتعيد ضبط إيقاع الحياة، وتجعل الناس أكثر قربا من الله، وأكثر استعدادا للإنصات بقلوبهم قبل آذان الفجر، وقبل المغرب، وبعد التراويح.
وأوضح خلال حلقة برنامج رمضان حكاية مصرية، المذاع على قناة الناس، أن القرآن في مصر لم يكن حبيس المساجد، بل كان حاضرا في الشوارع والبيوت، وعبر الراديو الذي تربت عليه أذن المصريين جيلا بعد جيل، ومن هذا التراكم تشكل كيان فريد أطلق عليه «دولة التلاوة المصرية».
وأشار إلى أن قارئ القرآن في مصر لم يكن مجرد صاحب صوت جميل أو حافظ متقن، بل كان مدرسة متكاملة، يملك شخصية ووعيا عميقا بكيفية إيصال المعنى دون تزويق أو استعراض، لذلك احتفظ كل قارئ ببصمته الخاصة التي لا تختلط بغيره.
صوت الشيخ محمد رفعت
وبين أن أول صوت شكل وجدان السماع مبكرا في مصر كان صوت الشيخ محمد رفعت، الذي مثل مرجعا فريدا بصوته النقي الرصين، حيث كانت التلاوة تخرج من قلبه قبل حنجرته، ولم يكن غريبا أن ينطلق أول بث رسمي لـ الإذاعة المصرية عام 1934 بصوته، ليصبح صوته مع الزمن جزءا من ذاكرة الدولة والذوق العام، كما ارتبط أذانه بوقار خاص جعله علامة أصيلة في رمضان المصري.
تمتد إلى الشيخ علي محمود
وأوضح أن جذور هذه المدرسة تمتد إلى الشيخ علي محمود، المولود عام 1878 بحي الحسين، والذي فقد بصره صغيرا فعوضه الله بنور القلب والصوت، وكان قارئ مسجد الإمام الحسين، ومن عبقريته أنه كان يؤذن كل جمعة على مقام مختلف دون تكرار قريب، تأكيدا على أن المقام يخدم المعنى.
وأضاف أن الوجدان المصري تشكل كذلك بأصوات خالدة، مثل الشيخ محمود علي البنا بقراءته الهادئة المتزنة، والشيخ كامل يوسف البهتيمي بقوة أدائه وانضباطه، والشيخ أحمد سليماني السعداني الذي وصل صوته إلى خارج الحدود عبر إذاعات أجنبية محتفظا بخشوعه.
وأكد أن ركنا أساسيا في «دولة التلاوة» كان الشيخ مصطفى إسماعيل الذي كان يبني التلاوة بعقل منظم دون تكرار أو استعجال، ومعه أسماء لا تنسى مثل الشيخ محمد صديق المنشاوي بخشوعه الصافي، والشيخ محمود خليل الحصري بانضباطه وتثبيت أصول التلاوة، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد بقوة صوته وانتشاره العالمي، إلى جانب الشيخ طه الفشني والشيخ محمد عمران ممن جمعوا بين التلاوة والتواشيح بموهبة استثنائية.
وشدد أستاذ التاريخ والحضارة على أن «دولة التلاوة» تكونت لأن عناصرها اكتملت في مصر: قارئ فاهم، ومستمع صبور، وإذاعة واعية، وذوق عام يقدر الجمال ويمنح السماع وقته، فصنعت هذه العناصر أصواتا لم تتكرر، وأصبحت جزءا من هوية رمضان نفسه.
واختتم مؤكدا أن رمضان في مصر له صوت، وصوت مصر في رمضان هو «دولة التلاوة» حكاية مصرية كتبت بالقرآن، ورويت بالصوت، واستقرت في وجدان المصريين جيلا بعد جيل.