رحلة الشيخ مصطفى إسماعيل: من طفولة شقية إلى ملك النغم والتلاوة
تزامنا مع حلول شهر رمضان، ومع انتظار محبي الإذاعة لتلاوات العمالقة، تتوق الأنفس للتعمق في محبة القرآن والقراء، ويعد الشيخ مصطفى إسماعيل أحد عمالقة التلاوة المصرية، وصاحب مدرسة النغم الأولى التي يتبعها العديد من أصحاب المواهب القرآنية. واليوم نسلط الضوء على بعض محطات حياته، كما رواها نجله الراحل عاطف مصطفى إسماعيل.
من "العلقة" إلى عرش التلاوة
يقول عاطف:" لم يكن والدي مجرد قارئ يرتل الآيات، بل كان 'دولة تلاوة' تمشي على الأرض. كان طفلا شقيًا جدًا؛ لم يغره الجلوس في الكتاب بقدر ما كان يغريه الركض نحو ترعة القرية للسباحة. لولا 'علقة محترمة' من جده بعد نصيحة شيخ الكتاب الذي اكتشف حلاوة صوته، ربما لم نكن لنسمع عن القارئ الذي هز عرش التلاوة".
وأضاف:" كان والدي يرى في طنطا مملكته الأولى، ومنها انطلق ليغزو قلوب الملوك. بدأت صدفة عندما حضر عزاء 'حسن القصبى'، وحاول أحد المشايخ طرده من فوق الدكة قائلاً: 'انزل يا ولد.. هو لعب عيال؟'، فإذا بالولد الصغير يبهر الجميع ويتحول إلى حديث الساعة".
"شكراً يا بيه"
وعن كواليس دخوله القصر الملكي، روى عاطف: "جاءت الشرطة لتبحث عن والدي في طنطا، فظننا سوءاً، لكنهم أخذوه ليصبح قارئ القصر. وفي إحدى ليالي القدر، وبينما كان الملك فاروق يصافحه، رد والدي بتلقائية ريفية: 'شكراً يا بيه'، فضحك الملك وقال: 'الشيخ مصطفى أنعم علينا بالبكويه!'".
وأضاف: "كان والدي عزيز النفس، لدرجة أنه عندما طُلب منه القراءة في القاهرة لأول مرة، طلب أجراً تعجيزيًا (30 جنيهاً) لكي يهرب من العرض، وفوجئ بالموافقة فورًا".
السادات يقلد الشيخ في "الزنزانة"
لم تقتصر علاقة الشيخ بالحكام على الرسميات، بل كشف عاطف عن سرٍ يجمع والده بالرئيس السادات: "كان السادات يحب والدي لدرجة التقليد. أخبرنا الرئيس لاحقًا أنه كان يقضي ساعات سجنه قبل الثورة في محاولة محاكاة نغمات والدي وإبداعاته في المقامات. لقد كان والدي مدرسة قرآنية بالفطرة؛ لم يدرس الموسيقى أكاديميًا، لكنه كان يمتلك 76 مقامًا فرعيًا، ويطوعها كيفما يشاء، حتى أنه لم يكن يستطيع تقليد نفسه إذا قرأ الآية مرتين".
"أنا خلاص مش طالع".. نبوءة الوداع
تنتهي القصة بلحظات إنسانية مهيبة، حيث يروي عاطف كيف تنبأ والده برحيله: "في رحلته الأخيرة، طلب من سائقه تغطية السيارة بالمشمع، وهو أمر كان يرفضه دائمًا، وقال له: 'أنا خلاص مش طالع'. دخل غرفته وأوصى الخادمة بالبيت، وقال لها بكلمات غامضة: 'سأحضر جنازة فاطمة'، ولم تكن فاطمة سوى جنازته هو، التي خرجت في مشهد عسكري مهيب مهّد له الرئيس السادات بالخيول".
ويختتم عاطف حديثه: "رحل والدي بجسده، لكنه ترك لنا صوتًا لا يشيخ، ومتحفًا في الإمارات يضم مقتنياته، وحكاية رجلٍ كان يغضب إذا وجد نعي عمالقة التلاوة في مساحة صغيرة بالجرائد، فصرخ يومًا: 'عيب يا مصر'. لقد أنصفته مصر والعالم بخلود ذكره". رحم الله ملك النغم الشيخ مصطفى إسماعيل، ورحم نجله عاطف مصطفى إسماعيل.



