تتواصل رحلتنا مع أيقونات رمضانية في خامس أيام الشهر الفضيل حيث «المنشاوي الباكي»، فمع تميز عائلة المنشاوي في دولة التلاوة بداية من الأب فالأبناء والأحفاد يظل الشيخ محمد صديق المنشاوي، أستاذًا متفردًا في تلاوته، فمن أراد أن يستمع إلى خشوع القرآن فليحضر إليه ويأنس به.
كان اصطفاء الله تعالى لأسرة المنشاوي عظيمًا بداية من الأب مرورًا بما تفرد به الأبناء «محمد ومحمود»، لكن يظل لعبق التلاوة الذي يفوح من صوت الشيخ محمد علامة مميزة للصوت الخاشع، طريقًا للمتدبرين، ومسلكًا للأولياء الصالحين؛ عبر عنه المحبون على مر عصورهم فلا تكد يمر أمامك قول إلا اقترن فيه وصف «المنشاوي» بـ «الصوت الخاشع» أو «الصوت الباكي».
نشأ في قرية المنشاة بمحافظة سوهاج، لوالد هو صاحب التسجيلات النادرة بسوريا ولندن، وعمه الشيخ أحمد السيد الذي رفض القراءة بالقصر الملكي، فأتم حفظ القرآن في الثامنة من عمره، لينتقل إلى القاهرة باحثًا عن علم القراءات، ومنها إلى عالم يحتفي بصوته ويطرب بسماعه فحظيت بتسجيلاته النادرة دول كفلسطين وليبيا وسوريا والكويت.
شكل رحيله صدمة للأمة بأسرها، وذهب البعض إلى القول أنه عانى من الحسد فكانت كلمات: «حنجرة يرى منها الماء»، ثناء ربما غفل صاحبها أن يحصنها من العين صادقة في وصف الشيخ الذي اعتدت في رمضان أن ترافقني تلاواته، فمنذ أن وعيت السماع وأدركت أن القرآن قرئ بمصر بألوان مختلفة منها المُعلم والصوت الشجي والباكي، ورغم أنه سبق إلى قلبي بالشيخين عبدالباسط عبدالصمد ومحمود علي البنا في روائع الحفلات والتجويد، إلا أنه مع الوقت أدركت عدم صوابي في الابتعاد عن صوت يدنيك من الجنة ويسكنك في عالم الأرواح المسبحة بحمد ربها دون انقطاع.
كانت أولى تلاوات الشيخ المنشاوي دخولًا إلى أذني آيات بيانات من سورة المائدة ورغم أنها مرتلة ضمن الخريطة الزمنية لإذاعة القرآن الكريم إلا أن قلبي خشع إليها في إحساس ربما لم ألفه أو أعهده من قبل. تسارعت خطوات إلى جدي سائلًا عمن يكون الشيخ فكان جوابه صوت الخاشعين محمد صديق المنشاوي ومع الوقت أدركت أن المنشاوي صوت لا يمكن تركه، رحم الله الشيخ المنشاوي وجعلنا وإياه ممن قرأ فتدبر واستمع فخشع ورافق القرآن فأحسن الرفقة.