عاجل

تساؤل جديد حول أزمة جيهان زكي..هل سهير عبد الحميد هي التي انتهكت حقوق الآخرين

نيوز رووم

لازال الجدل يحيط بوزيرة الثقافة  د. جيهان زكي، ويستغل كل من له غرض في نفسه الأزمة ليظهر أن اختيارات الدولة سيئة فيمن يتولى مناصبها القيادية دون النظر إلى التأكيدات التي صدرت من الحكومة حول أن الاتهامات لم يصدر بها حكمًا باتًا ، ونواصل التساؤلات من خلال التقرير التالي حول طبيعة القضية وهل أخطأت د. جيهان زكي حقا عندما مارست ما يفعله كل كاتب أو باحث وهو نفس النهج الذي اتخذته من قبل د. سهير عبد الحميد . 

لن يكون تحليلنا لهذه القضية تعليقا على الحكم القضائي فالقضاء له إجراءاته التي يصحح بها نفسه بنفسه ولهذا كان التقاضي يمضي في درجات مختلفة، وهذه القضية مازالت منظورة في درجة النقض  ولكن القراءة والتحليل هنا ستتوجه إلى العوار في تقرير لجنة الخبراء الثلاثية، التي تلجأ لها المحكمة ليفصلوا في أصل المسألة

 علما بأن هذه اللجان ليست لجانا قضائية، بل غالبا ما تتشكل من المؤسسات الخاصة بالكتابة والأدب والتأليف مثل اتحاد الكتاب أو هيئة الكتاب وفي قضايا الأكاديميين والجامعات تكون هذه اللجان مشكلة عن طريق المجلس الأعلى للجامعات.


في تقرير لجنة الخبراء لهذه القضية وفي السندين الأول والثاني وهما السندان الأساسيان في التقرير جاء: أن كتاب (مؤلف) سهير عبد الحميد الصادر عن دار ريشة 2022 تضمّن أول سيرة لحياة الأديبة قوت القلوب الدمرداشية، وهذا السند غير دقيق جملة وتفصيلة لأن أول سيرة لحياة قوت القلوب الدمرداشية وردت كاملة في رواية نساء في بيتي للكاتبة الكبيرة هالة البدري الصادرة في عام 2019 والتي رجعت لمصادر أجنبية من اللغتين الفرنسية والإيطالية ذكرتها في روايتها، والأهم أن هالة البدري كتبت سيرة حياة قوت القلوب الدمرداشية بالأسماء والأحداث الحقيقية الكاملة وباستقصاء تام لكافة جوانب حياتها وتفاصيلها، وهي بذلك سبقت سهير عبد الحميد بثلاث سنوات على الأقل. 


وبناء على هذه النقطة فإن فكرة السبق إلى كتابة سيرة قوت القلوب الدمرداشية التي استندت إليها الكاتبة سهير عبد الحميد في دفعها أمام المحكمة وأمام الرأي العام قد انتفت تماما. 
بقي شيء مهم وهو المفاجأة الكبرى في هذا الأمر، وهو أمر يختص بأنواع التوثيق والإشارات التي تختلف من كتاب لكتاب ومن أسلوب لآخر. 
الوزيرة أشارت في كتابها (كوكو شانيل وقوت القلوب) إلى كتاب سهير عبد الحميد وذكرت كتابها سيدة القصر بل وأثنت عليها، وهذه واحدة من طرق الإشارة ونسبة الحق لصاحبه، أو ذكر المؤلف السابق. وهذه الإشارة تحيل على كتاب سهير عبد الحميد وتذكره وتمثل دعاية وترويج له وتنفي فكرة الإضرار بحق سهير عبد الحميد. وهو الأمر الذي يحدث في كثير من أنواع الكتب والمصنفات التي يتعذر فيها الإشارة إلى المؤلف المقتبس منه في كل مرة أو في كل سطر أو في كل فقرة، فهذا الشكل من التوثيق التفصيلي في كل صفحة قد يكون مرفوضا أو غير مفضل لكثير من أشكال الكتابة ويميل بعض المؤلفين إلى الإشارة الإجمالية بكل ما تمت الاستعانة به من كتب أخرى، والإشارة الإجمالية تنفي أي اتهام بالاقتباس غير المشروع، بل على العكس تؤكد حسن النية وتؤكد المسار السليم والنية الحسنة تجاه الكتب المأخوذ عنها، وهذا ما فعلته جيهان زكي في كتابها الذي ذكرت فيه سهير عبد الحميد واسم كتابها بداية من صفحة 25 من كتاب كوكو شانيل. 


الواقع أن اللجنة مالت إلى إثبات رأي دفاع سهير عبد الحميد أو لم تتوافر لها الأدوات والأرشيف الذي يساعدها على نفي دفعها بأنها أول من كتب سيرة قوت القلوب الدمرداشية، وهو ما ثبت أنه غير صحيح، وانتفى هذا السبق بكتابة هالة البدري التفصيلية عن حياة قوت القلوب الدمرداشية.


الشيء المهم أيضا أن الكاتبة سهير عبد الحميد اتبعت النهج نفسه في توثيقها لما أخذته عن الكاتبة هالة البدري، واعتمدت على الإشارة الإجمالية بالطريقة نفسها التي اعتمدت عليها الكاتبة جيهان زكي. وهنا السؤال كيف تتهم سهير عبد الحميد جيهان زكي بالشيء نفسه الذي فعلته هي قبلها مع هالة البدري. أو بصيغة أخرى. كيف ترى سهير عبد الحميد أن ما فعلته هي نفسها مع هالة البدري من الاعتماد على جهدها في كتابة سيرة قوت القلوب شيئا بريئا وعلميا وتراه جريمة حين تفعله جيهان زكي معها برغم أنها أشارت لها في كتابها؟


هنا مفاجأة أكبر وهي أن الكاتبة سهير عبد الحميد في كتابها عن قوت القلوب جارت على حق المترجم دسوقي سعيد الذي ترجم رواية ابنة زمرة الحريم للكاتبة قوت القلوب الدمرداشية عن اللغة الفرنسية، نعم الذي اتهمت به جيهان زكي هي نفسها فعلته مع المترجم دسوقي سعيد وأخذت جهده في ما يمكن أن يزيد عن حدود الاقتباس غير المشروع إلى جريمة ملكية فكرية أكبر، لأنها لا تعرف اللغة الفرنسية ولم تقرأ الرواية في لغتها الأصلية.


وهنا نقطة جوهرية جديدة في الموضوع وهي أن أغلب مصادر حكاية قوت القلوب الدمرداشية مصادر أجنبية باللغتين الفرنسية والإيطالية، والكاتبة جيهان زكي تعرف اللغتين وذكرت المصادر الأجنبية في كتابها، في حين اعتمدت سهير عبد الحميد على جهود الآخرين الذين نقلوا عن الفرنسية والإيطالية، وربما يكون مفيدا لسهير عبد الحميد في قضيتها هذه إثبات معرفتها باللغتين الفرنسية والإيطالية واطلاعها على كتب الكاتبة قوت القلوب الدمرداشية التي لم تكتب أعمالها إلا باللغة الفرنسية.


نقطة أخرى إضافية وأخيرة، وهي أن قوت القلوب الدمرداشية وإن كانت أديبة مصرية لكنها لم تكن مجهولة تماما، بل تمثل شخصية تاريخية مشهورة مثل كثير من الشخصيات التاريخية السياسية أو الأدبية، فهي مثل هدى شعراوي وسعد زغلول وطه حسين ونجيب محفوظ، أي أن سيرتها ليست سرا وليست حكرا على أحد وأحداث حياتها أحداث حقيقية وكثير منها معروف حتى وإن لم يكن مكتوبا من قبل في اللغة العربية، فسيرتها متواترة في أخبار كثير من الأدباء والمثقفين المهتمين بالأدب وبخاصة قصة موتها المأساوي على يد ابنها الذي كان مريضا نفسيا. وهكذا فهذه السيرة عامة أي حكاية شعبية ذائعة ومعروفة ومتداولة شفهيا ومثلها أيضا أرض أبيها شيخ الطريقة الدمرداشية وتبرعه بأرض مستشفى الدمرداش الحالية وقصة أرض المستشفى التي وردت في كتاب آخر هو كتاب ريش للكاتبة ميسون صقر القاسمي والصادر 2021 أي قبل كتاب سهير عبد الحميد وتفاصيل أخرى كثيرة من سيرة حياتها سبق وتناولها كثير من المثقفين، أي ليست سرا أو حكرا على أحد، كل هذه الأحداث أحداث عامة وبعضها ذائع ومشهور، فمن الذي قد يعجز عن معرفة قصة مستشفى الدمرداش وقصر الدمرداش؟! من يبحث في هذا الأمر سيعرف قوت القلوب الدمرداشية ابنة عبد الرحيم الدمرداش.


وأخيرا:
ربما كان يتعين على لجنة الخبراء الثلاثية التي فصلت في الأمر، أن تبحث مسألة الخصوصية والابتكار في كتاب جيهان زكي، لتعرف مدى اختلافه الجوهري عن كتاب سهير عبد الحميد بدلا من أن تقرّ بفكرة السبق في كتابة سيرة حياة قوت القلوب الدمرداشية. فقضايا الملكية الفكرية يجب أن تنظر في ضوء فكرة الابتكار والاختلاف والخصوصية، ويجب أن تنظر من جهات خبيرة لديها علم بالأرشيف الكتابي أو التسلسل التاريخي للكتابة في كل موضوع أو قضية أو تسلسل الأفكار تاريخيا وهذا ما قد لا يتوافر لكل لجان الفحص من الخبراء.  

تم نسخ الرابط