أنفس لحظات العمر.. ما هي نعمة بلوغ شهر رمضان؟ أزهري يوضح
تحدث الدكتور حمادة إسماعيل يونس عبد الجواد مدرس أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بدمنهور، عن نعمة بلوغ شهر رمضان ، مشيرًا إلى أنه أيام قلائل ويحل علينا ضيف كريم وشهر مبارك، ذكره الله عز وجل في القرآن باسمه، واختصه بأن أنزل فيه أفضل كتبه، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
نعمة بلوغ شهر رمضان
وتابع: رمضان شهر تضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُكفَّر فيه الخطايا والسيئات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ».
وأوضح مما ينبغي على المسلم أن يتفطن لشرف الزمان الذي هو قادمٌ عليه، فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذُل، يقول ابن الجوزي: «ينبغي للإنسان أن يعرف شَرَفَ زمانه وقَدْرَ وقتِه؛ فلا يُضيع منه لحظةً في غير قُربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمةً من غير فُتور بما لا يَعْجِزُ عنه البدن من العمل».
وأكد أن شهر رمضان من أنفس لحظات العمر، فإذا ما دعتك نفسُك للتفريط في لحظةٍ منه، فذكِّرها بوصف الله عز وجل لأيامه بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]؛ أي: قليلة، سُرعان ما تنتهي، وسُرعان ما تتفلت من بين أيدينا، فلنحذر أن ينسلخ من أيدينا، فنخرج منه بأعظم خسارةٍ لا خسارة بعدها؛ فعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: ... وَرَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ: آمِينَ».
فضل بلوغ شهر رمضان
وقال: بلوغ هذا الشهر الكريم نعمة عظيمة على الإنسان، ينبغي أن يُخطِّط له من الآن، كما يخطِّط أربابُ التجارات والأموال عند قُرب مواسم كثرة الطلب على بضائعهم كي يربحوا من ورائها أكبر الأرباح، فليكن المسلم شحيحًا بنهاره وليله لا يبذله إلا في طاعة ربه عز وجل، أو فيما يعينه ويُقويه على هذه الطاعة؛ لا سيما إذا علم أنَّ إدراك شهر رمضان وبلوغه نعمة ثمينة قد حُرمها أُناسٌ قد اخترمتهم المنية، فهم الآن في قبورهم مرتهنون بأعمالهم، لا يستطيعون زيادةً في الحسنات، ولا نقصًا في السيئات.
وشدد على أن طول العمر مع حسن العمل، وإخلاص النية من أسباب الفلاح والتفاضُل بين الناس، والله تعالى يُعطي المُجتهد على قَدْر اجتهاده، لا سيما إذا اجتمع مع ذلك شرفُ الزمان؛ فعن طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه: أنَّ رجلين قدما على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان إسلامهما جميعًا، وكان أحدهما أشد اجتهادًا من صاحبه، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم تُوُفِّي، قال طلحة: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة إذا أنا بهما وقد خرج خارجٌ من الجنة، فأذن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي: ارجع؛ فإنه لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟» قالوا: يا رسول الله هذا كان أشد اجتهادًا ثم استشهد في سبيل الله، ودخل هذا الجنة قبله! فقال: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟» قالوا: بلى. قال: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟» قالوا: بلى. قال: «وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟» قالوا: بلى. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».
وفي رواية أحمد: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطلحة: «وما أنكرتَ من ذلك؟! ليس أحدٌ أفضلَ عند اللهِ من مؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله».

