خبير اقتصادي لـ«نيوز رووم»: لا بديل للدولار.. والذهب لن يحكم الاقتصاد العالمي
أكد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الارتفاعات القياسية التي يشهدها الذهب عالميًا لا تعني – على الإطلاق – أن البنوك المركزية تتجه للاستغناء عن العملات الورقية أو التحول إلى الذهب كبديل نقدي، معتبرًا أن هذا الطرح “غير واقعي ويجري تداوله بشكل غير علمي”.
احتياطات الدول من الذهب
وأوضح النحاس في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن كثيرًا من التحليلات المتداولة تعتمد على نقل أخبار مجتزأة دون فهم حقيقي لطبيعة الاحتياطيات النقدية للدول الكبرى، مشيرًا إلى أن الصين التي تستخدم دائمًا كمثال في هذا السياق كانت تمتلك احتياطيات دولارية تقترب من 3.25 تريليون دولار، في حين أن إجمالي ما تمتلكه من ذهب حاليًا لا تتجاوز قيمته 350 إلى 400 مليار دولار فقط، قائلًا: “لكي يصبح الذهب مساويًا للدولار في احتياطي الصين، نحتاج إلى ما يقرب من 200 عام، خاصة أن الإنتاج العالمي من الذهب لا يتجاوز 2000 طن سنويًا، وهو ما يجعل فكرة استبدال العملات الكبرى بالذهب ضربًا من الخيال”.
الولايات المتحدة تمتلك نحو 8000 طن من الذهب
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا السيناريو قد يكون ممكنًا فقط في الدول الصغيرة ذات الاحتياطيات المحدودة، أما الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين، فالأمر مستحيل عمليًا، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك نحو 8000 طن من الذهب لا تتجاوز قيمتها تريليون دولار، في حين أن حجم ديونها يتجاوز عدة تريليونات، وهو ما يعكس غياب أي تناسب بين الذهب وحجم الاقتصادات الكبرى.
حرب اقتصادية على المعادن
وشدد الدكتور وائل النحاس على أن ما يشهده العالم حاليًا ليس صراعًا بين الذهب والدولار، وإنما حرب اقتصادية حقيقية على المعادن الاستراتيجية، موضحًا أن الصين تسيطر على نحو 70% من المعادن النادرة والثمينة والصناعية عالميًا، وهي مكونات تدخل في كل الصناعات، من أبسط المنتجات وحتى الصناعات العسكرية المتقدمة.
وأوضح أن الولايات المتحدة، في المقابل، تتحرك في اتجاه آخر عبر الاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد بشكل أساسي على هذه المعادن، وهو ما يفسر حالة التوتر وارتفاع أسعار المعادن خلال الفترة الأخيرة.
وقال: “الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعمل بمعادن مرتفعة التكلفة، وبالتالي هناك مصلحة أمريكية في ترك الأسعار ترتفع مؤقتًا، ثم التدخل لاحقًا لكسرها، حتى تصبح المعادن متاحة بأسعار منخفضة تخدم الصناعة الجديدة”.
الذهب ليس في صعود أبدي
وحذر النحاس من الاعتقاد بأن الذهب في مسار صعود دائم، مؤكدًا أن التاريخ الاقتصادي يُثبت أن الذهب يمر دائمًا بموجات ارتفاع يعقبها تصحيح حاد قد يصل إلى 50%، كما حدث في السبعينيات، وفي فقاعة “الدوت كوم”، وأزمة 2008.
وأضاف: “نعم، الذهب يرتفع حاليًا، لكنه ارتفاع مرحلي مرتبط بحالة القلق العالمي، وليس اتجاهًا أبديًا. ومع انتهاء الصراع الأمريكي–الصيني وظهور نتائج الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، سنشهد تصحيحًا قويًا”.
وتوقع أن يتراوح القاع السعري للذهب – بعد انتهاء موجة الصعود الحالية – بين 2800 و3600 دولار للأونصة، مؤكدًا أن الذهب لن يعود إلى مستويات 1200 دولار مرة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج التي تجاوزت 1600 دولار للأونصة.
الصين لا تخزن الذهب بل تعيد تصنيعه
وكشف الخبير الاقتصادي أن الصين لا تشتري الذهب بغرض التخزين كاحتياطي نقدي، وإنما كمخزون استراتيجي لإعادة التصنيع، موضحًا أن بكين طورت تقنيات كيميائية جديدة لذهب عيار 24 تمنحه صلابة مماثلة لعيار 18، ما يسمح باستخدام كميات أقل مع الحفاظ على الجودة.
وقال: “الصين لا تضع الذهب في الخزائن، بل تعيد تصنيعه، وتستعد للمنافسة بقوة في سوق المعادن المصنعة، وهو ما سيغير خريطة الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة”.
معركة الاقتصاد الحقيقي
وأكد الدكتور وائل النحاس، على أن ما يجري حاليًا هو معركة الاقتصاد العالمي الحقيقية، تقوم على إدارة الفوضى ورفع وخفض الأسعار بشكل متعمد، بعيدًا عن الشعارات التقليدية حول الذهب والدولار.
وأضاف: “المشكلة أن كثيرين ينقلون المعلومات دون تحليل أو دراسة، بينما الواقع أعقد بكثير، ويحتاج إلى فهم عميق لطبيعة الصراع بين المعادن، الطاقة، والتكنولوجيا… وهذه هي معركة العالم في المرحلة المقبلة”.