عاجل

في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس أدوار الدول بحجم الضجيج، بل بقدرتها على منع الانفجار، والمنطقة الآن، بكل ما تحمله من معني تقف فعليا على حافة بركان قابل للاشتعال في أي لحظة، و هنا تحديدا، يظهر الدور المصري بوصفه عنصر التوازن الوحيد القادر على كبح اندفاع الأحداث قبل خروجها عن السيطرة.

مصر، تاريخيا وواقعيا، لم تكن يوما طرفا في معادلة التصعيد، بل كانت دائما «رمانة الميزان» التي تمنع الكفة من الانقلاب، هذا الدور يتجسد اليوم بوضوح في التحركات المكثفة التي يقودها الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية، عبر ماراثون دبلوماسي متواصل شمل اتصالات مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ومع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في توقيت بالغ الحساسية، حيث تختلط لغة السياسة بقرقعة السلاح.

مصر، بحكم موقعها الجغرافي و ثقلها السياسي وخبرتها التاريخية، لم تنظر يوما إلى الأزمات من زاوية ردود الفعل السريعة، بل تعاملت معها دائما باعتبارها اختبارات استراتيجية تتطلب نفسا طويلا ورؤية شاملة هذا النهج جعل من القاهرة طرفا موثوقا لدى مختلف القوى الإقليمية والدولية، وقادرة على التحرك في المساحات الرمادية التي تعجز عنها قوى أخرى انخرطت في الاستقطاب أو راهنت على منطق القوة.

الركيزة الأساسية في الدور المصري تتمثل في الإيمان الراسخ بأن الاستقرار الإقليمي ليس شعارا دبلوماسيا، بل مصلحة مباشرة تمس الأمن القومي المصري والعربي على السواء، والتجارب القاسية التي مرت بها المنطقة خلال العقد الأخير أثبتت أن الفوضى لا تبقى محصورة داخل حدود الدول المنكوبة، بل تمتد آثارها إلى الجميع، عبر موجات الإرهاب، وانهيار الاقتصادات، وتهديد الملاحة الدولية، و خلخلة توازنات الطاقة العالمية.

من هذا المنطلق، تتعامل مصر مع أزمات الشرق الأوسط باعتبارها منظومة مترابطة، لا يمكن فصل ملف عن آخر، ولا معالجة توتر بمعزل عن السياق العام ، والتصعيد في أي نقطة ساخنة سرعان ما يولد ارتدادات متسلسلة، وهو ما تدركه القاهرة جيدا، ولذلك تضع دائما أولوية قصوى لمنع توسع دوائر الصراع، واحتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة.

وتنطلق الرؤية المصرية من قناعة واضحة مفادها أن الحلول العسكرية، مهما بدت مغرية للبعض، لا تنتج استقرارا دائما، بل تعمق الأزمات وتؤسس لجولات صراع جديدة، ولم يعد الشرق الأوسط يحتمل أي مغامرات غير محسوبة، ولا صدامات قائمة على منطق كسر الإرادة ومن هنا، تدافع مصر عن فكرة أن الحوار السياسي والتسويات المتوازنة هي السبيل الوحيد القادر على معالجة جذور الأزمات، وليس أعراضها فقط.

هذا الدور لا يقوم على الحياد السلبي، بل على التوازن الواعي، مصر لا تقف موقف المتفرج، ولا تنحاز إلى طرف ضد آخر، لكنها في الوقت نفسه تضع خطوطا حمراء واضحة تتعلق بحماية الأمن الإقليمي، ورفض المساس بسيادة الدول، أو استخدام القوة كأداة لفرض الأمر الواقع،  هذا التوازن الدقيق هو ما منح السياسة المصرية مصداقيتها، وجعلها عنصر ثقة في معادلات شديدة التعقيد.

كما أن القاهرة تدرك أن استعادة مسار الدبلوماسية في المنطقة لا يمكن أن تتم دون معالجة ملفات شديدة الحساسية، تتعلق بانتشار السلاح، وبرامج التسلح غير المنضبطة، ومخاوف الدول من اختلال ميزان القوى لذلك، تطرح مصر دائمًا مقاربة شاملة تقوم على الأمن الجماعي، واحترام الالتزامات الدولية، وخلق بيئة إقليمية أقل توترا وأكثر قابلية للتعاون.

وفي هذا السياق، يظهر الدور المصري كـ«مايسترو» حقيقي للمشهد الإقليمي، يسعى إلى ضبط الإيقاع عبر تخفيض منسوب الخطاب المتشنج، والدفع باتجاه تغليب العقل على الانفعال، وتدرك القاهرة أن إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن منع اندلاعها، وأن القدرة على التواصل مع أطراف متباينة الرؤى هي أحد مفاتيح الاستقرار في منطقة تعاني من انعدام الثقة.

إن ما يميز الدور المصري أيضا هو استمراريته فهو ليس تحركا موسميا مرتبطا بأزمة بعينها، بل سياسة راسخة تستند إلى خبرة دولة مركزية تعرف أن أمنها يبدأ من محيطها، وأن حماية المصالح الوطنية تمر عبر حماية استقرار الإقليم بأكمله، هذه الرؤية جعلت من مصر طرفا فاعلا في كل الملفات الكبرى، دون ضجيج أو استعراض.

وفي لحظة تاريخية تتراجع فيها لغة السياسة لصالح منطق القوة، تبدو مصر كأنها تسبح عكس التيار، متمسكة بدور العقلانية وضبط النفس وهو اختيار قد لا يكون الأسهل، لكنه بالتأكيد الأكثر مسؤولية، الدول العاقلة لا تنتظر اندلاع الحرائق كي تتحرك، بل تعمل على منع اشتعالها من الأساس.

إن الدور المصري في هذه المرحلة لا يقتصر على إدارة أزمة بعينها، بل يتجاوز ذلك إلى حماية فكرة الاستقرار نفسها في منطقة مهددة بالانفجار وهو دور يعكس إدراكا عميقا لتعقيدات المشهد، وإيمانا بأن السياسة، مهما بدت ضعيفة أمام السلاح، تظل الأداة الوحيدة القادرة على إنقاذ الإقليم من سيناريوهات الفوضى المفتوحة.

تم نسخ الرابط