في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس العلاقات بين الدول بعدد البيانات المشتركة، بل بقدرتها على إعادة ضبط ميزان القوة. والتقارب المصري–التركي لا يأتي في فراغ، بل في لحظة إقليمية تتآكل فيها فكرة الدولة، وتتصاعد فيها نزعات المغامرة العسكرية، ويُعاد فيها توزيع النفوذ من البحر الأسود إلى شرق المتوسط، ومن غزة إلى القرن الإفريقي.
مصر وتركيا ليستا دولتين عاديتين في الإقليم؛ هما دولتا مركز ثِقَل، وحضارتان تعرفان معنى الدولة، وحدود القوة، وكلفة الفوضى. وحين تتقاطع مصالحهما، لا يكون ذلك مجرد تصالح سياسي، بل إعادة تعريف لقواعد الاشتباك الإقليمي.
مما تقدم تبدأ مصالح البلدين من تجاوز منطق التحالفات الظرفية إلى بناء محور استقرار طويل الأمد. محور لا يقوم على العداء لأحد، لكنه لا يسمح بفراغ القوة. في منطقة تعاني اختلالا واضحا في الردع، يصبح التنسيق المصري–التركي أداة لإعادة التوازن، خصوصا في مواجهة سياسات إسرائيل التي تميل إلى فرض الواقع بالقوة، أو أي قوى إقليمية أخرى تتصرف خارج منطق الدولة.
في غزة، لا يكفي إدارة الأزمة إنسانيا . المطلوب هو فرض معادلة سياسية جديدة، يكون فيها المحور المصري–التركي قادرا على كبح الانفجار، ومنع تحويل القطاع إلى ساحة اختبار دائمة للقوة الإسرائيلية أو ساحة توظيف سياسي للفصائل. هذا التنسيق لا يصطدم مع أحد، لكنه يفرض حدودا واضحة للفوضى.
في ليبيا، يمكن لهذا المحور أن ينهي مرحلة “توازن الميليشيات” ويستبدلها بتوازن الدولة. فحين تتفق القاهرة وأنقرة على أولوية المؤسسات الوطنية، يتراجع هامش التدخل العبثي، وتُغلق نوافذ الاستثمار في الحرب.
أما السودان، فهنا تتجاوز المسألة حدود السياسة إلى الأمن القومي. تفكك الدولة السودانية ليس خطرا محليا ، بل تهديد استراتيجي لإفريقيا والبحر الأحمر. التنسيق المصري–التركي يمكن أن يتحول إلى مظلة إقليمية تمنع انزلاق السودان إلى سيناريو الدولة الفاشلة، عبر دعم مسار سياسي حقيقي لا يُدار من الخارج.
وعند الحديث عن إيران، فإن قيمة هذا التقارب تتضاعف. أي ضربة عسكرية محتملة ضد طهران لن تكون حدثا معزولا ، بل زلزالا إقليميا . وجود محور عقلاني يضم القاهرة وأنقرة قادر على لعب دور “كابح الانفجار”، ليس عبر الوساطة التقليدية، بل عبر فرض كلفة سياسية عالية على خيار الحرب.
لكن الأخطر والأهم هو ما بعد السياسة.
الفكرة غير التقليدية هنا هي الانتقال من تحالف الجغرافيا إلى تحالف المستقبل الرقمي. لماذا لا تُنشئ مصر وتركيا منطقة تكامل رقمي تربط بين الأسواق العربية والإفريقية والآسيوية؟ لماذا لا يكون هناك صندوق استثماري مصري–تركي مخصص للذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الدفاعية غير التقليدية؟
تركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، ومصر تمتلك سوقًا ضخمة، وموقعًا استراتيجيًا، وعمقًا إفريقيًا وعربيًا. الجمع بين الطرفين يمكن أن ينتج:
• منصات ذكاء اصطناعي للحوكمة الذكية
• حلول أمن رقمي تحمي البنية التحتية للدول النامية
• مشروعات تصنيع تكنولوجي تستهدف الجنوب العالمي، لا الأسواق الغربية المشبعة
بل يمكن التفكير في عقيدة ردع رقمية، حيث لا تكون القوة فقط في السلاح، بل في السيطرة على البيانات، والخوارزميات، وسلاسل الإمداد الرقمية.
الخلاصة أن التقارب المصري–التركي ليس فرصة دبلوماسية، بل ضرورة جيوسياسية. هو محاولة لإعادة السياسة إلى الإقليم، في مواجهة منطق القنابل، وإعادة الدولة في مواجهة الميليشيا، وإعادة العقل في مواجهة المغامرة.
وحين تلتقي حضارتان تعرفان معنى الزمن، يمكن للمنطقة أن تتنفس. ليس لأن الأزمات انتهت، بل لأن هناك من قرر أخيرًا أن يصنع التوازن بدل أن ينتظر الانفجار.