عاجل

لم يكن المشروع النووي الإيراني مجرد برنامج تقني علمي، بل كان ولا يزال المحور الذي تدور حوله أعمق التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وأداة  لاعادة تشكيل توازنات القوى التي استقرت لعقود
فمنذ أن كشفت المنظمات الدولية عن وجود منشآت نووية إيرانية غير معلنة في مطلع الألفية، تحول هذا الملف إلى قضية عالمية تتقاطع فيها المخاوف الأمنية والصراعات الإقليمية والأجندات الدولية إيران، القوة الفارسية العريقة التي ترى نفسها مركزاً لحضارة ووريثة لإمبراطورية، نظرت إلى الحق في التكنولوجيا النووية باعتبارها رمزاً للسيادة والاستقلال والتقدم، وقاعدة للانتقال من دولة إقليمية مؤثرة إلى قوة عظمى على مستوى المنطقة لكن دولاً عربية عدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، نظرت إلى هذا البرنامج بعين الارتياب والخوف، ليس فقط من احتمالية حصول طهران على سلاح نووي، بل من التغير الجذري في معادلة الردع والقوة الذي سيحدثه ذلك فهم يرون أن صواريخ إيران الباليستية، المدعومة بتكنولوجيا نووية، لن تكون مجرد أسلحة ردع، بل أدوات للهيمنة والضغط السياسي، ويمكن أن تهدد العواصم العربية وتغير حسابات الأمن القومي لكل دولة من دول المنطقه
وقد تجلى هذا التأثير بالفعل، حتى قبل أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، من خلال ما يُعرف بـ"التأثير الامتدادي" للبرنامج. فالإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، أعلنت عن برنامجها النووي السلمي وبدأت بتشغيل محطة "براكة"، ليس فقط لتنويع مصادر الطاقة، بل أيضاً كرسالة سياسية بأن قدرات التكنولوجيا المتقدمة ليست حكراً على جارها الإيراني ولكن الخطوة الأكثر دلالة جاءت من الرياض، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية، الحليف الاستراتيجي للغرب وحارس المقدسات الإسلامية، أن إيران إذا حصلت على سلاح نووي، فإنها لن تتردد في السعي للحصول على مثله هذا التصريح، الذي تردد على لسان مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى، كان بمثابة زلزال في سياسات عدم الانتشار النووي العالمية، وكشف عن شبح سباق تسلح نووي في أكثر مناطق العالم اضطراباً. إسرائيل، القوة النووية الوحيدة غير المعلنة في المنطقة، وجدت في البرنامج الإيراني تهديداً وجودياً مباشراً، مما دفعها إلى شن هجمات إلكترونية واغتيالات علماء ومحاولات تخريب متكررة، ووضع خيار الضربة العسكرية الوقائية على الطاولة دائماً لقد حوَّل البرنامج النووي الإيراني الشرق الأوسط إلى برميل بارود، حيث تتراكم قدرات التدمير الشامل وتتداخل استراتيجيات الردع، في لعبة خطيرة لا يعرف أحد نتائجها
التأثير لم يكن عسكرياً بحتاً، بل كان سياسياً بامتياز استخدمت طهران برنامجها النووي كورقة ضغط رابحة في التفاوض مع القوى الكبرى، لا سيما في مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2015. وقد منحها هذا التفاوض شرعية دولية ورفع العقوبات عنها مؤقتاً، ووسع من هامش حركتها الإقليمية، حيث عززت من وجودها في سوريا والعراق واليمن ولبنان عبر وكلائها، معتمدة على شعورها بقوة التفاوض التي وفرها لها البرنامج النووي
الدول العربية الخائفة شاهدت هذا الصعود بحذر، وشعرت أن النظام الإقليمي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة، والقائم على تحالفات تقليدية مع الغرب، أصبح مهزوماً أمام صعود قوة إيرانية تتحدى القواعد انعكست هذه المخاوف على سياساتها الداخلية، فزادت الإنفاق العسكري، وسعت لتحالفات جديدة (مثل التقارب الإسرائيلي الظاهر مع بعض الدول العربية في إطار اتفاقيات إبراهيم)، وحاولت تطوير أنظمة دفاع صاروخي متطورة بمعنى آخر، فرض المشروع النووي الإيراني واقعاً جديداً من القلق الاستراتيجي المزمن، حيث تعيش الدول في حالة تأهب دائم لسيناريوهات مستقبلية مرعبة
اليوم، وبعد انهيار الاتفاق النووي وتبادل الاتهامات بين طهران والدول الغربية، يدخل الملف مرحلة أكثر خطورة إيران تقترب أكثر من أي وقت مضى من القدرة على صنع سلاح نووي إذا أرادت، بينما تهدد إسرائيل بضربات عسكرية، وتعلن السعودية عن استعدادها للتسلح المنطقة تقف على حافة تحول تاريخي إما أن تنجح الدبلوماسية في فرض رقابة صارمة وضمانات بعدم تحول البرنامج إلى عسكري، مما قد يفتح باباً للتعايش الإقليمي، أو أن يفشل الجميع، لتدخل الشرق الأوسط عصراً جديداً من سباق التسلح النووي، حيث تنتشر الأسلحة الأكثر تدميراً في يد دول تتصارع على النفوذ في بيئة مليئة بالصراعات والنزاعات، وهو سيناريو ستكون عواقبه كارثية على الاستقرار العالمي كله المشروع النووي الإيراني لم يعد مجرد ملف فني، بل هو مقياس لمدى قدرة النظام الدولي على منع انتشار الكارثة، واختبار لإرادة القوى الإقليمية في رسم مستقبل أكثر أمناً أو أكثر دماراً.

تم نسخ الرابط