ثروة بالظل.. لماذا يتعثر دمج الاقتصاد غير الرسمي؟.. خبراء يكشفون لـ«نيوز رووم»
الاقتصاد غير الرسمي، يمثل أحد أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المصري، إذ يعمل قطاع واسع من الأنشطة الإنتاجية والخدمية خارج الإطار القانوني، بعيدًا عن منظومة الضرائب والتأمينات والرقابة، رغم ما يمتلكه من قدرة حقيقية على دعم النمو وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
الاقتصاد غير الرسمي
وبين محاولات حكومية متكررة لدمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية، ومخاوف متجذرة لدى العاملين فيه من التعقيدات الإدارية والرسوم غير الواضحة، يظل السؤال مطروحًا: هل تنجح الدولة في تحويل الاقتصاد غير الرسمي من عبء خارج السيطرة إلى شريك في التنمية؟، وفي التقرير التالي يرصد لكم موقع «نيوز رووم»، كيف تتعامل الدولة مع الاقتصاد الغير الرسمي؟:
دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي
قال الدكتور كريم العمدة، الخبير الاقتصادي، إن ملف دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي يُعد من أقدم وأعقد الملفات الاقتصادية، مؤكدًا أن هذا النوع من الاقتصاد موجود في جميع دول العالم، وتختلف نسبته صعودًا وهبوطًا وفقًا لمدى تطور الاقتصاد وقدرة الدولة على المتابعة والرقابة.
وأوضح العمدة، في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن السبب الرئيسي لعدم دمج الاقتصاد غير الرسمي لا يرتبط فقط بالضرائب، وإنما يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها البيروقراطية، وتعقيد الإجراءات، وضعف المتابعة المستمرة، مشيرًا إلى أن عملية الدمج تحتاج إلى جهد طويل الأمد، وليس قرارات وقتية أو حملات موسمية.
وأضاف أن الثقافة السائدة لدى شريحة واسعة من العاملين في هذا القطاع تقوم على تجنب التسجيل الرسمي خوفًا من التعقيدات الحكومية، لافتًا إلى أن الاقتصاد غير الرسمي لا يقتصر على الورش أو الأنشطة الصغيرة، بل يمتد إلى أنشطة كبيرة ومهن حرة مثل مكاتب استشارية، ومحال تجارية، وسائقي خدمات النقل الذكي، وغيرها من الأنشطة التي تعمل خارج الإطار القانوني رغم قدرتها على الاندماج.
لا توجد أرقام رسمية يمكن الاعتماد عليها
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن غياب البيانات الدقيقة يمثل إحدى أكبر العقبات أمام التعامل مع هذا الملف، مؤكدًا أنه لا توجد أرقام رسمية يمكن الاعتماد عليها لتحديد حجم الاقتصاد غير الرسمي بدقة، مضيفًا: "أي رقم يُطرح كنسبة قاطعة هو رقم غير دقيق، لأن ما لا يُقاس رسميًا لا يمكن الجزم بحجمه".
وأوضح العمدة أن التقديرات المتداولة تشير إلى أن حجم الاقتصاد غير الرسمي قد يتراوح ما بين 35% إلى 60% من حجم الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن هذا التفاوت الكبير في التقديرات يعكس صعوبة القياس وليس تضارب الحقائق.
وشدد على أن دمج هذا القطاع لا يتحقق بالشعارات، وإنما عبر حزمة متكاملة من السياسات، تشمل تقديم حوافز حقيقية، وتبسيط الإجراءات، وتفعيل الفاتورة الإلكترونية، وتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني، إلى جانب الحملات الرقابية المستمرة من الضرائب والمحليات.
تضييق الفجوة بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي
كما دعا العمدة إلى رفع وعي المواطنين بأهمية التعامل في الإطار القانوني، سواء في البيع أو الشراء، معتبرًا أن التحول الرقمي والرقابي يمثل أحد أهم الأدوات القادرة على تضييق الفجوة بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي.
وأكد العمدة، أن الاقتصاد غير الرسمي موجود وكبير، والسيطرة عليه ليست بالسهولة التي يتم تصويرها، مشددًا على أن النجاح في هذا الملف يتطلب نفسًا طويلًا، وإرادة حقيقية، وسياسات واقعية تراعي طبيعة المجتمع قبل فرض أي التزامات جديدة.
حجم الاقتصاد المصري
قال الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد غير الرسمي يمثل نسبة كبيرة ومؤثرة من حجم الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن دمجه بشكل حقيقي في المنظومة الرسمية يمكن أن يحقق طفرة واضحة في الناتج المحلي الإجمالي ويعزز موارد الدولة، إلا أن هذا الملف ما زال يواجه عقبات جوهرية تحول دون تحقيقه على أرض الواقع.
وأوضح البهواشي، في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الضرائب أو التأمينات الاجتماعية، بقدر ما ترتبط بـ غياب الثقة بين العاملين في القطاع غير الرسمي والحكومة، مشيرًا إلى أن المواطن يتعامل مع الدولة من خلال “واجهة واحدة” في الغالب، وهي المحليات، التي تمثل مرآة القرارات الحكومية، لكنها تعكس – في كثير من الأحيان – صورة سلبية بسبب التعقيدات وكثرة الرسوم والإجراءات غير الواضحة.
المشكلة في التقديرات الجزافية التي تفرضها بعض الجهات
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن تجربة تسجيل أي مشروع رسميًا تكشف حجم الأزمة، حيث يبدأ المستثمر الصغير معاناة طويلة منذ اللحظة الأولى، بدءًا من الحي والكهرباء والمياه، مرورًا بالتأمينات، وصولًا إلى رسوم متعددة وغير مدروسة، مؤكدًا أن المشكلة الحقيقية ليست في قيمة الضرائب المعلنة، وإنما في الرسوم المفاجئة والمخالفات والتقديرات الجزافية التي تفرضها بعض الجهات المحلية.
وأشار البهواشي إلى أن الدولة أصدرت بالفعل قوانين لتشجيع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ووفرت لها نظمًا ضريبية مبسطة، إلا أن التطبيق العملي يختلف تمامًا، قائلًا: “من يدخل المنظومة الرسمية يشعر وكأنه وقع في مصيدة يصعب الخروج منها”.
تقنين أوضاع المنشآت غير المرخصة
وتابع الخبير الاقتصادي أن هناك توجيهات سياسية واضحة بضرورة تقنين أوضاع المنشآت غير المرخصة بدلًا من إغلاقها، إلا أن الواقع يشهد إغلاق مصانع وأنشطة قائمة منذ سنوات بسبب اشتراطات معقدة لا تراعي طبيعة هذه المشروعات، خاصة تلك المقامة داخل المنازل أو في مناطق شعبية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى طرد الاستثمار بدلًا من احتوائه.
وشدد البهواشي على أن التعامل مع ملف الاقتصاد غير الرسمي يجب أن يكون بمنطق المرونة لا الجباية، مؤكدًا أن التركيز المفرط على تعظيم الإيرادات قصيرة الأجل يؤدي إلى نتائج عكسية، قائلاً: “نحن نرفع شعار تشجيع الاستثمار من جهة، ونقوم بتطفيشه من جهة أخرى”، لافتًا إلي أن المشكلة تتفاقم بسبب تضارب المصالح بين الجهات الحكومية، حيث تسعى كل جهة لتعظيم إيراداتها بشكل منفصل، سواء من الضرائب أو الرسوم أو المخالفات، دون وجود رؤية موحدة تهدف إلى جذب الاستثمار وتشغيل الاقتصاد المحلي.
وأكد الخبير الاقتصادي، أن الحل يبدأ بـ تحديد هدف واضح للدولة، وهل الهدف هو تحصيل إيرادات سريعة أم جذب استثمار مستدام؟ مشددًا على أن الاستثمار الحقيقي هو الطريق الأضمن لزيادة الحصيلة الضريبية على المدى المتوسط والطويل، بشرط تبسيط الإجراءات، وتوحيد جهة التعامل، وإصلاح منظومة المحليات باعتبارها الحلقة الأضعف في ملف دمج الاقتصاد غير الرسمي.