«لا يمس مقام النبوة».. كيف ردت الأوقاف على واقعة الأغنية المسيئة للرسول؟
قالت وزارة الأوقاف، إن الدفاع عن النبي ﷺ مسؤولية جماعية للأمة، حيث يجب أن تتحرك المؤسسات الإسلامية الرسمية (منظمة التعاون الإسلامي، الجامعة العربية) عبر القنوات الدبلوماسية لتقديم شكاوى رسمية متكررة في المحافل الدولية.
كيف ردت الأوقاف على صاحب الأغنية المسيئة للرسول؟
وتابعت الأوقاف تحت عنوان «إنا كفيناك المستهزئين»: تنظيم حملات ضغط قانونية وسياسية منظمة، على غرار ما تفعل دول أخرى عند الإساءة إلى رموزها الوطنية، وبناء تحالفات مع منظمات المجتمع المدني العالمية التي تؤمن بحرية العقيدة وتحترم التنوع الثقافي.
البعد الحضاري: تقديم الصورة الناصعة للنبي الخاتم ﷺ
وأضافت: هذا هو السلاح الأقوى والأبقى، فكما يقول الدكتور عز الدين فراج: "إن انبهار فلاسفة من وزن غوته وكارليل وشوبنهور ولامارتين بأخلاق النبي محمد ﷺ يكشف عن فقر معرفي وأخلاقي لدى المسيئين المعاصرين" [أنظر: نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي: عز الدين فراج ، نشرمجلة الأزهر مع عدد شهر ربيع الأول ١٤٣٤ ].
وهذا يفرض علينا مضاعفة الجهود في ترجمة السيرة النبوية الموثقة إلى جميع اللغات الحية، بطريقة علمية تخاطب العقل المعاصر.
كذلك إنتاج محتوى ثقافي وإعلامي راقٍ يعرض شخصية الرسول ﷺ كقائد روحي وإصلاحي اجتماعي غير مسبوق، وتوظيف الوسائل التكنولوجية نفسها التي يستخدمها المسيئون لبث رسالة المحبة والسماحة التي جاء بها الإسلام.
بين عصمة النبوة ومسؤولية الأمة
في المحصلة النهائية، فإن الذين يتطاولون على رسول الله يخدشون صخرةً بسيوف من خشب، فهم لا يمسون مقام النبوة بشيء، فهو المقام المحفوظ بحفظ الله، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ یَعصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهدِی ٱلقَومَ ٱلكَٰفِرِینَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، إنما يخدشون كرامتهم الإنسانية أولًا، وينتهكون مبادئ التعايش الإنساني ثانيًا.
وواجبنا - نحن المؤمنين به ﷺ - ليس الانزلاق إلى ردود أفعال عاطفية تزيد الفجوة اتساعًا، بل التحلي بحكمة النبي نفسه في المواجهة.
لقد علمنا ﷺ أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن الرحمة تسبق الغضب، وأن العلم أقوى من الجهل. ولهذا، فإن الرد الأعظم يكمن في أن نكون ترجمة حية لسنته في واقعنا: في أخلاقنا في السوق، في أمانتنا في العمل، في رحمتنا بالضعفاء، في عدلنا مع الخصوم. وفي الوقت ذاته، نستخدم أدوات العصر القانونية والدبلوماسية بكل حزم وثبات، لندرك أن الصمت عن الحق خيانة، والتسامح مع الإساءة ضعف.
فليكن ردنا جامعًا بين قوة القانون ورحمة القلب، بين حزم الموقف وحكمة الأسلوب. وليكن شعارنا دائمًا: نحمي قدسية نبينا بحكمة عقولنا قبل حرارة قلوبنا، وبنبل أخلاقنا قبل صخب ألسنتنا.
كيف نحمي قدسية ما نؤمن به دون أن نغلق أبواب الحوار؟
وأكدت الأوقاف: بين يدينا معادلة إنسانية دقيقة: كيف نحمي قدسية ما نؤمن به دون أن نغلق أبواب الحوار؟ وكيف ندافع عن حبيبنا ﷺ دون أن نتحول إلى صورة مشوهة عما جاء به؟ الحقيقة أن الإساءة، رغم قبحها، تذكرنا بمسؤولية جسيمة: مسؤولية التعريف به ﷺ كما هو، لا كما يصوغه أعداؤه أو حتى كما يتصوره بعض محبيه.
وقالت إن القانون وحده، رغم ضرورته، لا يصنع احترامًا، والعقوبة وحدها، رغم عدالتها، لا تولد محبة، بل إن أعظم سجن للمسيئ هو أن يظل جاهلًا بمن يهاجمه، وأعظم عقاب له هو أن تستمر أخلاق النبي ﷺ تنتصر في قلوب العقلاء عبر القرون.
وشددت الأوقاف: فلنكن أمناء على هذه الرسالة الخالدة. ولنكن حكماء في حملها. فالدفاع الحقيقي عن النبي ﷺ يبدأ من أن نكون نحن أول المستجيبين لندائه تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ [النحل: ١٢٥] وعندها فقط، تتحول كل إساءة إلى دعوة غير مقصودة للتأمل في سيرة رجل غيّر مجرى التاريخ برسالة محبة وهدى، تبقى كالشمس، يحجبها السحاب لحظة، ثم تعود.





